الإثنين , 3 أكتوبر 2022 - 10:01 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

نهر النيل وسد النهضة والاتفاقيات الدولية [ 2 ]

وائل الشهاوي – يكتب من : مصر القاهرة

 

استكمالا لمقالنا السابق عن الاتفاقيات الدولية التاريخية التى تحكم العلاقة بين دول حوض النيل، والتى بناءً عليها تم تقسيم إيراد النهر بين الدول المتشاطئة، و قبل الحديث عما فعلته دول المنبع ومحاولتها إنكار قانونية الاتفاقيات السابق ذكرها سنعرض لمصطلحين مهمين جدا لتكرار ذكرهم فى السطور القادمة.

المصطلح الأول هو حوض النهر الدولي و هو عبارة عن المنطقة الجغرافية المحددة بحدود المستجمع المائي لشبكة فروع النهر بكاملها أي (المنطقة التي تنزل عليها مياه الأمطار الخاصة بالحوض وما يوجد فيها من بحيرات وما يجري من أنهار وفروع).
أما المصطلح الثانى فهو شبكة المياه الدولية و التي يقصد بها النهر والمياه السطحية والجوفية الخاصة به فقط, أي (المياه التي تجري فقط في مجرى النهر والمياه الجوفية في المناطق المحيطة به).

وقد ورد فى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير ملاحية1997 على تعريف المجرى المائي الدولي على أنه شبكة المياه السطحية والجوفية التي تشكل بحكم علاقتها الطبيعية ببعضها البعض, وهو التعريف الذي تم وضعه في بنود اتفاقية عنتيبي 2010 التي وقعت عليها بعض دول المنبع والذي جعل دول الحوض تحصر نقاشها بخصوص المياه على المجري النهري ومحصلته المائية فقط.

كما استخدمت إثيوبيا ودول المنبع مصطلح شبكة المياه الدولية عند التفاوض على الانتفاع بمياه النهر والمشروعات المائية و هو الأمر الذي يسمح لها بالتفاوض على 84مليار متر مكعب وهذا في غير صالح مصر والسودان, فى حين أنه فى حال تم إستخدام تعبير حوض النهر الدولي يجعلنا نتعامل على أساس أن حوض النيل تنزل عليه حوالي 1660مليار متر مكعب في جميع مناطق الحوض, وذلك بخلاف المياه الجوفيه المتوفرة في إطاره.

تلك النقطة كانت أساس الخلاف حول تلك الاتفاقية بين دول المنبع و دولتى المصب ( مصر و السودان ) إضافة إلى أن الاتفاقية لا تقر بجميع الاتفاقيات السابقة مثل اتفاقية 1929 مع دول الهضبة الاستوائية واتفاقية 1902 مع إثيوبيا ولا تقر بالحقوق المائية القانونية والتاريخية لدولتي المصب. كما أن الاتفاقية لا تتضمن الإجراءات التنفيذية للإخطار المسبق, والتي شملتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام1997, والتي تعطي الحق للدول المتضررة الاعتراض على المشروعات وسدود دول أعالي النهر إذا ثبت أن لها أضراراً جسيمة.

الأكثر من ذلك أن الاتفاقية تنص على إمكانية تعديل العديد من البنود والملاحق بالأغلبية فقط (ثلثي الأعضاء) مما يمكن دول المنبع من تغييرها دون الرجوع إلى دولتي المصب, كما أن الاتفاقية لاتشمل أي بنود لزيادة إيراد النهر, كما أن بند عدم الإضرار جاء بصيغه عامة وفضفاضة حيث جعل دول المنبع هي المرجع لتقدير أي ضرر قد يلحق بهذه الدول نتيجة لأي مشاريع تقوم بها دول أخرى في الحوض وبناء على ذلك فقد أصبح من المؤكد أن اتفاقية عنتيبي قد جاءت لتؤكد النوايا السيئة لدول المنبع على تجريد دول المصب من حقوقهم التاريخية والقانونية بل وحرمانهم من حصة عادلة ومنصفه لهم.

فى 23مارس 2015 , تم التوقيع على اتفاق المبادئ الأطارية بخصوص سد النهضة الكبير الذي وضعته اللجنة الوطنية المكونة من الدول الثلاث, من جانب رئيس مصر عبدالفتاح السيسي, و رئيس السودان السابق عمر البشير, ورئيس وزراء إثيوبيا السابق هيلا مريام ديسالين.

وقد اشتمل الاتفاق على عشرة مبادئ ملخصها كالآتى:
1- الالتزام بمبادئ القانون الدولي, والتعاون على تفهم الاحتياجات المائية لدول حوض النيل
2- أن التنمية والتكامل الإقليمي من أهم أسس الاتفاق, وأن سد النهضة هدفه توليد الكهرباء للمساهمة في تنمية إثيوبيا والترويج للتعاون بين بلدان حوض النيل
3- تجنب الدول الثلاث التسبب في ضرر أو دفع التعويض المناسب
4- الاستخدام المنصف و العاقل للموارد المائية المتاحة مع الأخذ في الاعتبار كافة العناصر الاسترشادية الخاصة بكل بلد من بلدن الحوض كالعوامل الجغرافية والمناخية والمائية والبيئية, والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للسكان الذين يعتمدون على الموارد المائية, والاستخدام الحالية والمحتملة لتلك الموارد, ومدى مساهمة كل دولة في نظام حوض النيل.
5- تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية, والاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوى لسد النهضة, واستمرار التعاون والتنسيق حول تشغيل ذلك السد, وعلاقة ذلك بخزانات دول المصب, وأن تكون المدة التي تتم خلالها عملية تقييم المؤشرات المائية والبيئية للسد خمسة عشرة شهراّ.
6- العمل على بناء الثقة.
7- تبادل المعلومات اللازمة لاجراء الدراسات المشتركة للجنة الوطنية.
8- استكمال إثيوبيا للتوصيات بأمان السد.
9- أن تتعاون الدول الثلاث على أساس الوحدة الإقليمية والمنفعة المشتركة وحسن النية.
10- التسوية السلمية للمنازعات, وأنه إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق والوساطة, أو إحالة الأمر لرؤساء الدول والحكومات.

و قد وجه البعض انتقادات لهذه الاتفاقية وخاصة أنها لم تذكر حصة مصر من مياه النيل ولم تتضمن بند للتفاوض حول تحديد سعة السد, كما يرى البعض أنها تفريط في حقوق مصر التاريخية, وأنها تحقق مطالب إثيوبيا أكثر من تحقيقها مطالب مصر, في حين اعتبرها البعض اتفاق سياسي وليس لها علاقة بالجوانب الفنية, كما يرى البعض أن الاتفاقية تراعي مبادئ القانون الدولي من بينها مبدأ عدم الأضرار وتحقيق الانتفاع المنصف والعادل, والاخطار المسبق, والالتزام بالاتفاقيات السابقة المبرمة بين الدول والتوارث الدولي لها, كما أنها لاتلغى إي اتفاقيات سابقة لها, وليس بها أي بند لتنازل أو تجريد مصر عن حقوقها المكتسبة, كما دعت الاتفاقية إلى التوفيق والوساطة والحل السلمي للنزاعات.

و عقب توقيع أعلان المبادئ, تصاعدت حدة المفاوضات بين جميع الأطراف, وأعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي في 18 نوفمبر2017 “أنه يحذر من المساس بحصة مصر من المياه و قال نتفهم أن التنمية في إثيوبيا هو أمر مهم, لكن أمام التنمية هذه المياه تساوي لنا حياة أو موت شعب”, وفي 18 يناير 2018 قال رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين “إنه لن يعرض مصلحة الشعب المصري للخطر بأي شكل من الأشكال”, وكان من أبرز نقاط الخلاف بين الدولتين هي فترة ملء السد وكيفية تشغيله, حيث طالبت مصر أن تمتد فترة ملء السد إلى عشرة سنوات مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف, بينما تتمسك إثيوبيا بفترة ملء من سنتين إلى ثلاث وذلك لحاجتها لتعويض أكثر فورية لاستثماراتها الكبيرة.

وفي أكتوبر 2019 شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الدولة بكافة مؤسساتها ملتزمة بحماية مياه النيل, ومستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي وفي إطار محددات القانون الدولي لحماية هذه الحقوق, وفي 22أكتوبر جاءت تصريحات صادمة منسوبة إلى رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد أمام أعضاء البرلمان أنه لا توجد قوة يمكنها منع إثيوبيا من بناء السد وأنه يستطيع حشد الملايين على الحدود في حالة حدوث حرب, و بعدها أعلنت مصر رسمياً عن تعثر المفاوضات, ومطالبتها بالإستعانة بوسيط دولي, ونفت إثيوبيا وجود تعثر كما اعترضت على الوساطة, وتبادلت مصر وإثيوبيا الاتهامات والتصريحات التي جاءت تصعيدية وتهديدية.
فى النهاية لا يسعنا إلا الانتظار واضعين كامل الثقة في قيادتنا السياسية و قدرتها على إدارة الأزمة بالشكل الذي يحافظ على مصالح مصر و شعبها.

 

حفظ الله مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *