السبت , 10 ديسمبر 2022 - 6:06 صباحًا
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

الحكم بعد المداولة على ” المتهمة “

بقلم الناقد الفني د. أحمد عبد الصبور

 

تحظى أعمال الرعب بأهمية خاصة لدى شريحة كبيرة من محبي الأفلام والمسلسلات ، لما تحمله أحداثها من غموض ومفاجأت غير متوقعة ، وبالطبع تلك الأعمال الفنية تتصدر محركات البحث وقوائم إهتمامات مواقع التواصل الإجتماعي فور عرضها .

 

قد تبتعد تلك الأعمال عن ترشيحات الجوائز ، إلا فيما ندر ، وينظر لها نقدياً كأفلام ومسلسلات هدفها الأول تقديم الرعب للمشاهد ، لكن يبقى السؤال ما هو الذي قد يدفع المشاهدين للبحث بإرادتهم عن فيلم أو مسلسل يصيبهم بالخوف والتوتر ؟

 

يرى أخصائيون الطب النفسي أن الخوف هو أساس المشاعر الآخرى ، ويندرج تحته القلق والأمل واليأس والإحباط والحب والكره والسعادة والرضا والحزن والغضب ، وهو شعور غريزي فطري هدفه الأساسي الحفاظ على الحياة ، وقد يلجأ بعض الأشخاص لمشاهدة فيلم أو مسلسل رعب بسبب مرورهم بفترة من السلام النفسي وإحتياجهم للشعور بالخوف من أجل إستعادة إحساس الأمان والطمأنينة أثناء المشاهدة لأنهم يدركون أن ما يحدث مجرد تمثيل .

 

وكذلك هناك رغبات آخرى قد تدفع الإنسان لمشاهدة عمل مرعب مثل الرغبة في معرفة المعلوم بعدما كان مجهولاً أو الرغبة في تحقيق العدالة بسبب الشعور بالظلم ، وهو ما قد يتحقق بهزيمة الشخص المخيف في فيلم الرعب وإنتصار الخير والمباديء على الشر .

ويؤكد علماء النفس أن مشاهدة أفلام الرعب تؤثر على الصحة النفسية بطرق مختلفة ، فهناك آثار سلبية بسيطة مثل خوف الشخص لبضعة ساعات ورفضه مغادرة الفراش لو إستيقظ في منتصف الليل ، وقد تصل الآثار إلى درجات أكبر مثل إضطراب كرب ما بعد الصدمة أو الصدمة في حد ذاتها ، بسبب الإندماج الشديد مع الفيلم أو المسلسل .

 

كما قد يكون لمشاهدة أعمال الرعب آثر إيجابي ، وهي إحدى المهارات المتبعة في مدرسة العلاج الجدلي السلوكي ، والتدرب على المهارة وممارستها يجب أن يكون عن قصد ووعي ، ومن تلك المهارات ” التشتيت ” وهي طريقة للتخفيف من حدة أي موقف صعب حله ، ومن ضمن وسائل التشتيت القوية ؛ مشاهدة أفلام ومسلسلات الرعب والأكشن والكوميديا ، في تلك الحالة يكون التشتيت صحي لأن المتفرج ينفذه وهو مدرك أنه حل مؤقت لتغير شعوره تجاه مشاكله الحقيقية ، وبعدها يمكنه أن يفكر بشكل أكثر هدوءً في الحلول المناسبة .

 

ولكن يرى أن مشاهدة أفلام ومسلسلات الرعب قد تتحول إلى مرض حين يبدأ الشخص بمشاهدتها من أجل المعاناة وتعذيب النفس وإغراقها في الشعور بالتوتر والوجع ، كما يمكن أن يصبح علاجاً لو كان يتم بوعي مدروس وله وقت معين ، كوسيلة لإخراج طاقة الغضب الزائد ، فهو ضرر يقصد به منفعة .

 

ويؤكد علماء النفس أن الشعور بالرضا بعد مشاهدة المسلسلات يعود بشكل رئيسي إلى المواد الكيميائية التي يطلقها الدماغ : “عندما تنخرطون في نشاطٍ ممتعٍ ، مثل مشاهدة التلفاز ” بشراهة ” ، يفرز دماغكم الدوبامين ، وهي المادة الكيميائية التي تعطي جسمكم متعة داخلية مما يعزز المشاركة المستمرة في هذا النشاط ، خاصة أن الشعور بالراحة يجعل دماغكم يقول لكم : ” إستمروا في هذا العمل … ” .

في الواقع يشبه بعض علماء النفس العملية التي نتعرض لها أثناء الإفراط في مشاهدة البرامج التليفزيونية بما يحصل فعلياً عند تعاطي المخدرات ، حيث أن المسارات العصبية التي تسبب إدمان تعاطي الهيروين أو الإدمان الجنسي ، هي نفسها التي تؤدي إلى الإدمان على المشاهدة ، ويشار إلى أن الجسم لا يقاوم اللذة وبالتالي يكون الإدمان على أي نشاطٍ أو مادةٍ تعزز من إطلاق الدومابين .

 

وبالرغم من أننا نعي جميعاً أن ما نشاهده هو محض خيال ولا يمت إلى الواقع بصلة ، فإن التعلق بالشخصيات التليفزيونية مسألة لا مفرّ منها ، لدرجة تجعلنا نخلط بين الواقع والخيال ، ونصبح عاجزين عن فصل نفسنا عمّا هو زائف .

ويشار إلى أنه ليس الخيال الكامن وراء البرنامج التليفزيوني هو الذي يوجهكم ، بل المشاعر الحقيقية التي ينقلها لكم فريق التمثيل .

ومن هنا يلاحظ أنه من الطبيعي جداً أن يتعلق المرء بشخصية ” خيالية ” على شاشة التلفاز نتيجة ملامسة دماغه للعواطف البشرية ، وعندما ترتبطون عاطفياً بشخصية ما ، وبالرغم من إحتمال ألا تكون هذه الشخصية نفسها في العالم الحقيقي ، يحسّ دماغكم بالعواطف البشرية التي تصورها هذه الشخصية فيخلق الشعور بالإرتباط بها … ” .

ويؤكد علماء النفس أن مسألة الإدمان على المسلسلات تعود بشكل أساسي إلى عدم قدرة الدماغ على التفريق بين العلاقات الحقيقية والعلاقات الخيالية ، فتختلط العواطف التي يمكن أن يجنيها المرء جرّاء مشاهدة برنامج تليفزيوني بإنتظام كتعزيز إحترام الذات ، والشعور بالوحدة ، والشعور بالإنتماء …

 

 

 

ويعدّ مسلسل ” المتّهمة “ واحداً من أحدث الأعمال الدرامية القصيرة والأصلية التي بدأ عرضها أخيراً على منصة ” شاهد ” ، محققاً مشاهدات مرتفعة ، إذ ينتظرها الجمهور بشغف بسبب طبيعة المسلسل البوليسية والمعتمدة على التشويق والإثارة والرغبة في معرفة هوية القاتل .

وعلى الرغم من تصنيف صانعي العمل له ضمن فئة الرعب ، فإن حبكته تبدو أقرب إلى فئة الجريمة والتشويق ؛ فالأحداث تبدأ بجريمة قتل بشعة لرجل ، تُتهم فيها زوجته التي سرعان ما تتعرض لحادث يُفقدها الذاكرة … ومن أجل إثبات براءتها ، تهرب بعيداً عن أنظار الشرطة ، بينما تحاول البحث عن أي دليل لمصلحتها أو ما يُذكّرها بحقيقة ما جرى .

 

مسلسل ” المتهمة “ دراما لبنانية من تأليف وإخراج ” تامر نادي ” ، وبطولة الممثلة التونسية “ درة ” والممثل اللبناني ” عادل كرم ” ، إلى جانب مجموعة من النجوم المصريين من بينهم : رشدي الشامي ، وعلي الطيب ، ودياب ، ومها نصار ، ومحمد عبد العظيم .

 

ومع أن الإنتاج لبناني والتصوير جرى في لبنان ، إلى جانب كون البطلين الرئيسيين غير مصريين ، فإن الأحداث بأكملها تدور في مصر ، ومن المفترض أن الأبطال أنفسهم يحملون الجنسية المصرية ، مما جعل البعض يستنكرون إختيار المخرج لطاقم التمثيل ، إذ إقترح بعضهم الفنانة المصرية “ ريهام عبد الغفور ” إسماً بديلاً للفنانة التونسية ” درة ” .

 

 

المتابع الجيد لمسلسلات منصة ” شاهد ” في المدة الأخيرة سيجد أن أغلبها يدور في الفلك ذاته ؛ جريمة قتل يشوبها الغموض ، ثم مُحقق من الشرطة يجتهد للوصول إلى الجاني ، بالإضافة إلى كثير من لقطات ” الفلاش باك ” التي تكشف ماضي الشخصيات ودوافعهم ، يصحبها بعض المفاجآت وصولاً إلى الخاتمة غير المتوقعة .

 

شاهدنا ذلك في أعمال مثل المسلسل المصري ” منعطف خطر ” ، والمسلسل السوري- اللبناني “ ستيليتو ” المقتبس عن ” فورمات ” التركي بالإسم نفسه ولا يزال عرضه مستمراً حتى الآن ، وحتى المسلسل المصري ” الليلة واللي فيها ” تضمن بعض الخطوط الدرامية ذاتها .

 

لكن يبقى مسلسل ” منعطف خطر ” ، الذي إنتهى عرضه أخيراً ، العمل الأفضل من بين ما قُدّم ضمن الفكرة نفسها ، وقد لعب بطولته “ باسل خياط ” و “ باسم سمرة ” و ” ريهام عبد الغفور ” ، إذ برع “ باسل خياط ” في دور المُحقق المتشكك وصاحب الماضي التعس … وبمقارنة الممثل ” دياب ” في دور الشرطي بمسلسل ” المتهمة “ ، نجد ” باسل خياط ” متفوقاً بمراحل على ” دياب ” .

 

ثمة شبه واضح بين دوري ” دياب ” و ” باسل خياط ” لم يتوقف عند طبيعة وظيفة كليهما ، من حيث الجريمة ومحاولة حلها ، فضلاً عن تقاطعهما أيضاً بمسألة الحياة الزوجية المنتهية لكل منهما ، والإصرار على تربية الإبنة بعيداً عن الزوجة السابقة التي تزوجت برجل آخر ، والأهم عدم قدرة أي منهما على تحقيق ذلك ، تاركين مسؤولية الطفلة لآخرين ، ومستمرين بالتعنّت في منح الأم فرصة للإهتمام بإبنتها .

 

من جديد ، ترجح الكفة لمصلحة ” منعطف خطر ” ، ليس بفضل مستوى التمثيل وحسب ، بل أيضاً على مستوى الإخراج والكتابة الشديدة الحساسية التي برع بها الكاتب ” محمد المصري ” وإستطاع من خلالها سبر أغوار الشخصيات وتفسير مدى تأثير صدمات الماضي في الحاضر والمستقبل .

 

لكن لنفترض أن المقارنة جاءت لمصلحة مسلسل ” المتهمة “ ، فهل يشفع ذلك لمنصة ” شاهد ” الدوران في الدائرة ذاتها وحول الحبكة عينها ، كونها نجحت سابقاً في جذب الإنتباه ؟ أم بات على أصحاب المنصّة الإنتباه لما يختارونه ، إذا ما أرادوا ألا يُصاب الجمهور بالملل ويبحث عن التغيير عبر منصات أخرى ؟ خصوصاً أن الأعمال الأخيرة التي عرضتها شاهد ، مثل : “ وعد إبليس ” و “ المتهمة ” ، خيّبت آمال كثيرين .

 

على الرغم من تصدّر مسلسل ” المتهمة “ قوائم المشاهدة على منصة العرض ، فإن العمل نال هجوماً كبيراً من الجمهور ، كما ناله أيضاً نصيب من النقاد الذين إنتقدوا ضعف الحوار والشخصيات التي لم يكتمل بناؤها بما يكفي لتُبرز براعة أصحابها بالتمثيل ، كما جاء في دور النجم ” رشدي الشامي ” .

 

 

الهجوم الأكبر كان من نصيب الفنانة “ درة ” التي حمل إسم المسلسل صفتها كـ ” متهمة ” ، مما أوحى بأنها البطلة ، ومع ذلك جاءت مشاهدها قليلة ومتفرقة … وكعادة أعمال ” درة ” والإنطباعات العامة حولها ، فإنها أتُّهمت بالتمثيل المتواضع … وثمة من يلفت إلى حُسن إختيارها للأدوار ومحاولاتها المستمرة لصقل موهبتها من دون جدوى ، كونها تظل كل مرة تقريباً غير قادرة على مجاراة مَن حولها أو تقديم أفضل أداء يستحقه الدور ، خصوصاً أن دورها كان يسمح لها بإستعراض بعض الطاقات التمثيلية ، بخلاف معظم الأدوار الأخرى في العمل ذاته .

 

عادل كرم ” لم يقدم أيضاً دوراً يليق بأعماله الفنية ، وبدت مشاهده أشبه بـ ” المبتورة ” … وعلى الرغم من إجتهاده في العمل على تحسين لهجته المصرية ، ظلت مخارج حروفه غير واضحة ومتآكلة ، ويمكن القول إنه مقارنة بـ ” درة ” يفوز بمرتبة الحلقة الأضعف بالمسلسل .

 

إن الآراء السلبية تجاه “ المتهمة ” فسّرتها ” درة ” بأنها هجوم مسبق ومتوقع من ” أعداء النجاح ” الذين يتربّصون بها مع كل عمل تقدمه ، مبرّرة عدم صحته بالإحصاءات التي تُشير إلى تصدُّر المسلسل ” قائمة الأعلى مشاهدة ” .

 

في المقابل ، حظي المسلسل بإستحسان بعض صانعي الدراما ، مثل المؤلف ” عمرو محمود ياسين ” الذي وصف أداء ” درة ” بالرائع والإحترافي ، بل أشاد بإنتصارها للشخصية والمضمون بعيداً عن الإهتمام بالمظهر والأزياء والمكياج … وقال إن هذه ليست المرة الأولى التي تُقدم ” درة ” على خطوة كتلك ، إذ فعلتها سابقاً في أعمال أخرى ، مثل مسلسل ” سجن النسا “ ومسلسل ” العار “ ، وتجربتها معه في مسلسل ” نصيبي وقسمتك “ .

والحقيقة أن الفنانة يجب ألا تعتمد على جمالها فقط في مجال التمثيل ، ويجب أن تكون الموهبة الفنية هي السبب الرئيسي في نجاحها في أعمالها الفنية ، لأن الجمال وحده لا يكفي ، ويجب أن تحاول دائماً التنويع في طبيعة الأدوار التي تقدمها والتأني في كل خطوة فنية تتخذها .

 

 

وهنا يطرح السؤال نفسه : لماذا تراجعت نسبة مشاهدة الدراما المصرية ؟!

 

يوماً بعد يوم تزداد مساحة عرض المسلسلات المدبجلة ، وتحديداً الهندية والتركية داخل عالمنا العربي ، والأخطر هنا أنها أصبحت تسحب البساط من تحت أقدام الدراما العربية ، حتى وصل الحال بنا فى مصر مثلاً إلى أن نسب مشاهدة تلك المسلسلات تفوق مسلسلاتنا بمراحل ، ويعتقد أن السبب يتلخص في فكرة الإستسهال في صناعة معظم الأعمال التي نراها في الآونة الأخيرة ، والكثير من أهل الفن بات يغُمض عينيه عن الحقيقة الصعبة بأن الدراما المصرية تمر بأزمة ، فقد أصبح أغلب الممثلين يسعون وراء الظهور على الشاشة بغض النظر عن رداءة العمل ، بجانب الإهتمام بالربح المادي .

 

كل العوامل السابقة قادتنا إلى أن أعمالنا الدرامية سقطت في فخ « السبوبة » دون مراعاة تأثرها بالأخطاء الموجودة داخل العمل من عدمه ، أو حتى جودته ليعيش طويلاً في أذهان المشاهدين ، وبالطبع هذه الأخطاء تؤثر في مدى مصداقية المسلسل لدى المشاهد ، فصناع الدراما كانوا ولا يزالون يعتمدون على أن المشاهد لا يعى شيئاً وأنه لا يهتم سوى بمضمون المسلسل ، لكن ما يحدث الآن هو العكس وأصبح المشاهد يلاحظ التفاصيل أكثر مما يهتم بالمسلسل ، وقد يرجع سبب ذلك إلى الملل الذى يتسرب إلى المشاهد أثناء مشاهدة العمل مما يجعله يبتعد عن القصة ويبحث عن التفاصيل ، مما جعل المشاهد ينسحب تدريجياً ويتجه صوب الأعمال المدبلجة .

 

المشكلة الأكبر هنا أنه عندما تطرح هذه القضية للمناقشة تجد معظم الآراء سواء من الجهات الإنتاجية والنقاد الفنيين والممثلين أنفسهم تصب في مصلحة أنه يجب إنتاج أكبر عدد من الأعمال للوقوف ضد هجمة الأعمال المدبجلة من الخارج ، فلم نرَ من يضع يده على كثرة الأخطاء الدرامية التي أصابت كل مسلسلاتنا ، بالإضافة إلى أنه أصبح لدينا فقر شديد في الأفكار التي تنتج أعمالاً جيدة مثلما كان يحدث في زمن نجوم الفن الكبار بدءاً من الكاتب مروراً بالممثل والمخرج والمساعدين وصولاً إلى محطة المونتاج ، فقديماً رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية والإلكترونية كانت تظهر أعمال إلى النور مختومة بصك الإبداع … الخلاصة تقول : إذا أردنا إستعادة عرش الدراما ، يجب أن نصدق أنفسنا أولاً بأننا نقدم فناً وليس وجبة « تيك أواي » ، فالفن هو مرآة المجمتع ، كما يقال ، وتأثيره على شبابنا وأبنائنا الصغار أخطر من الأسلحة النووية ، لذا نحتاج فناً يعلم الأجيال الجديدة كيفية صناعة الفارق لوطنها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *