الأحد , 20 أغسطس 2017 - 5:49 صباحًا
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

وصايا وأمثال وتعاليم الحكيم بِتاَحْ حُتِبْ

بقلم المؤرخ والباحث في علم المصريات د/ أحمد عبد الصبور .

 

وصايا وأمثال وتعاليم الحكيم ( بِتاَحْ حُتِبْ )

 

إن منظومة الأخلاقيات هى اللبنة الأساسية فى نشأة أى مجتمع , فعن طريقها يكون هناك معايير رئيسية للسلوكيات الفردية داخل هذا المجتمع و التى يجب على أفراده إتباعها , فتصبح هى المصدر الرئيسى للتشريعات و القوانين المنظمة لأحوال هذا المجتمع و الحاكمة عليه , و المحدد الأول للعلاقة بين البشر و بعضهم أو حتى بين المجتمعات و بعضها , و يعتبر الدين هو العامل الرسمى الذى يجعل أفراد مجتمع ما يتبعون منظومة الأخلاقيات طوعاً عن طريق حثهم عليها فى سبيل نيل بركات و رضا الآلهه , و الفوز بالثواب الدنيوى , و دخول الجنه فى الآخرة لمن يطبقها و دخول النار الأبدية لمن يتجاهلها ، ولو أمعنا النظر لوجدنا إن الديانات المصرية القديمة هي أصل جميع الديانات ، حتى الوصايا العشر في الديانة اليهودية نجد أن الديانة الفرعونية هى أول من نظمت منظومة أخلاقيات تحتوى على هذه الوصايا , فهى كانت عبارة عن الإعتراف السلبى الذى يؤديه المتوفى أمام الأرباب يوم الحساب فى الدار الآخرة لكى يدخله الجنه ،  فما كان لليهود حضارة ولا أدب إلا حضارة مصر، ولا حكمة إلا حكمة مصر، ولا دين دانوا به قبل اليهودية إلا دين مصر، نقلوه معهم، وإرتدوا إليه بعد أن أدانوا باليهودية ، ويكفى أن سيجموند فرويد وهو يهودى للنخاع قال :

” إن عقدة اليهود الأزلية … هى الحضارة المصرية ، تلك الحضارة العظيمة ” .

وهنا نلقي الضوء على أكثر الحكماء شهرة في الأدب المصري القديم وهو ” بتاح حتب ” فقد قدم لنا نصائح ووصايا وتعاليم وأمثال وأحكام في فن التعامل مع الآخر وكذلك في مختلف شئون الحياة ، ونلاحظ أيضاً أنَّ هذه النصائح تتفق كثيراً في مضمونها مع ما جاءت به تعاليم الأديان فيما بعد .. وهذا يدلنا على الفطرة السليمة للإنسان المصري … وتدلنا كذلك على معرفته  بالله رغم ما عرف – خطأ – بأنهم وثنيين .

 

بتاح حتب : هو حكيم مصري قديم عاش في عصر الدولة القديمة في مصر الفرعونية ، وهو وزير الفرعون ( جد كا رع إسيسي) أحد ملوك الأسرة الخامسة ( حوالي : 2414-2375 ق.م )   

وصايا بتاح حتب أوأمثال بتاح حتب أو تعاليم بتاح حتب أحد أعمال الأدب المصري القديم المنسوبة إلى بتاح حتب هي مجموعة من الأحكام والنصائح حول العلاقات الإنسانية والموجهة من بتاح حتب لأبنه .

ولدينا ثلاث برديات تحوي تعاليم هذا الحكيم ، وفي هذه البرديات يوجه بتاح حتب تعاليمه أو عظاته إلى أبنه , التي تذهلنا بتنوعها و حسها الإجتماعي المرهف , وإلتزامها بقواعد السلوك الحسن ، وهى تميل إلى المحافظة على التقاليد , وترسم الطريق أمام كل شاب , لأن يكون عضواً صالحاً في أسرته و مجتمعه .

 النص موجود على برديات منها بردية بريسي التي تعود لعصر الدولة المصرية الوسطى والمعروضة في مكتبة فرنسا الوطنية في باريس ، وهناك إختلافات كبيرة بين نسخة بردية بريسي والنصين المحفوظين في المتحف البريطاني ، وقد قام بترجمتها “باتيسكومب جن” في عام 1906 م ، كجزء من مجموعة كتب “حكمة الشرق”، حيث قام بترجمة بردية بريسي في باريس  ولا تزال تنشر حتى الآن .

تبدأ الأمثال بتوضيح كاتبها لسبب كتابتها ، وهي وصوله لسن الشيخوخة ورغبته في نقل حكمة أسلافه، التي وصفها بأنها “كلمات الآلهة”، تمجّد تلك الأمثال فضائل السلوك السوي بين الناس ، مثل الصدق والعدل وضبط النفس والرفق بالآخرين ، والدعوة للتعلم عن طريق الإستماع إلى الجميع ومعرفة أن المعرفة البشرية لن تكتمل أبداً ، إضافةً إلى تجنب الصراعات كلما كان ذلك ممكنًاً ، ولا ينبغي أن يعتبر ذلك ضعفًاً ، وينبغي السعي إلى العدالة ، وفي النهاية ستسود كلمة الآلهة ، تشير بعض النصائح إلى كيفية إختيار السيد المناسب وخدمته ، وتلقن نصائح أخرى دروسًاً حول الطريقة الصحيحة للقيادة من خلال الإنفتاحية والطيبة ، وأعتبرت تلك الإرشادات أن الطمع هو أساس كل شر ويجب الإحتراس منه ، وأن الكرم مع الأهل والأصدقاء أمر جدير بالثناء ، وقبول السمو في المقام الإجتماعي بإعتباره منحة إلهية، ويمكن الحفاظ عليه بقبول العمل تحت إرادة الرئيس .

يقول بتاح حتب في مقدمة برديته عن السبب الذي دعاه لوضع هذه التعاليم , فيذكر أنه :

 

كان وزيراً للملك جد كا رع إسيسي ( ملك من الأسرة الخامسة ) , وأنه ( بتاح حتب ) شعر بتقدمه في السن ووقعت الشيخوخة عليه , فطلب من الملك أن يسمح له بأن يعلم إبنه الحكمة فسمح له الملك بذلك , وقال له : علمه آداب الحديث ، كي يكون مثالاً لأبناء العظماء , وتكون الطاعة رائدة ، فليس هناك من يتعلم من تلقاء نفسه.

ووصف بتاح حتب شيخوخته , فقال :

لقد حلت بي الشيخوخة , وبدأ خرفها , وضجت الأعضاء بالألم . وأضحت القوة هزالاً وأصبح الفم صامتاً , وغارت العينين , وصمّت الآذان , وأضحى القلب كثير النسيان . إن العظام تتألم من تقدم السن , والأنف كتم فلا يتنفس , وصارت الحركة مؤلمة , والطيب خبيث , وكل طعم قد ولى .. حقاً أن تقدم العمر يجعل المرء سيئاً في كل حال .

نص الوصية :

– تذهب المصائب بالثروة ولكن الحكمة لا تذهب , وإنما تمكث و تبقى .

– لا تكونن متكبراً بسبب معرفتك , ولا تكونن منتفخ الأوداج لأنك رجل عالم . شاور الجاهل و العاقل , لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها .. والحكمة قد توجد في أي مكان , حتى بين النساء الجالسات أمام الطواحين . فلا أحد بارع في فنه .. وليس هناك أحداً يسيطر على فنه أبداً .

– كن مجتهداً في كل وقت .. أفعل أكثر مما هو مطلوب منك . لا تضيع وقتك إذا كان في إمكانك أن تعمل ، مكروه ذلك الذي يُسئ إستخدام وقته ، ولا تضيع فرصة لزيادة ثروات بيتك .. إن العمل يأتي بالثروة .. والثروة لا تدوم إذا هُجر العمل .

– إذا أردت أن يكون سلوكك حسناً وأن تحرر نفسك من كل الشرور , فأحذر أن تشتهي ما يملكه غيرك ، إنه مرض لا شفاء منه .. يجعل الود مستحيلاً .. ويحيل الصديق عدواً .. ويبعد محل الثقة عن سيده .. وتفسد ما بين المرء وأخيه .. ويفرق بين الرجل وزوجته .. إنها حزمة تضم كل الشرور .. إن الذي يشتهي ما يملك غيره ، لا يكون له قبر.

– إن الإستماع مفيد للأبن الذي يصغى .. طوبى للأبن الذي يصغى عندما يتحدث إليه والده .

– إذا كنت رجلاً ناجحاً , فأسس لنفسك بيتاً . وأتخذ لك زوجة تكون سيدة لقلبك . أشبع جوفها , وأستر ظهرها ، وأعلم أن علاج أعضائها الدهان ( العطور ) ، وأجعل قلبها فرحاً مادمت حياً .. فالزوجة حقل مثمر لسيده .

 

ـ إذا وجدت رجلاً مساويًا لك يتجادل ، وأثار حديث السوء فلا تسكت ، بل أظهر له حكمتك وحسن أدبك ، فإن الكل سيثنون عليك ، ويحسن ذكرك عند العظماء .

 

ـ إذا وجدت رجلاً يتكلم ، وكان فقيراً ،فلا تحتقره لأنه أقل منك ، بل دعه وشأنه ، ولا تحرجه لتُسرَّ قلبك ، ولا تصبّ عليه جام غضبك ، فإذا بدا لك أن تطيع أهواء قلبك فتظلمه ، فأقهر أهواءك ،لأن الظلم ليس من شيمة الكرام .

 

ـ إذا كنت فى صحبة جماعة من الناس ، وكنت عليهم رئيساً ولشئونهم متولياً ، فعاملهم معاملة حسنة حتى لا تلام ، وليكن مسلكك معهم لا يشوبه نقص ، إن العدل عظيم ، طريقه سوى مستقيم .

 

ـ لا تستحل حقوق الناس حراماً ..ما كان الشر يوماً بموصل مقترفه إلى شاطئ الأمان ، قد يحصل المرء على شيء من الثروة عن طريق الشر ، ولكن قوة الحق تبقى ثابتة ، إن حدود الحق واضحة ، والحلال بين والحرام بين ، والمرء يفعل ما تعلمه من أبيه . 

 

ـ لا تنشر الرعب بين الناس ، فهذا أمر يعاقب عليه الربّ . هناك من الناس من يقول (ها هى الحياة قد أقبلت ) فيمشى فى الأرض متكبراً ، فيجازى بالحرمان من خبز فمه . وهناك من الناس من يقول : ( ها هي سطوتي ) ويخيل إليه أنه يستطيع أن يستولى على كل ما يخطر له بالباطل ، وبينما هو يتفاخر بذلك تنزل عليه النازلة فلا يملك لها دفعاً ، ولا لنفسه نفعاً ، وهناك من يتحايل على الحصول على ما ليس له ، ليقتنى بذلك ثروة تغنيه ، وليهيئ لنفسه الأمن فى المستقبل ، ولكن المستقبل لا يهيئه أحد لنفسه ، لأنه بيد الرب ، فما من شيء هيئه المرء لنفسه قد وقع ، وإنما يقع ما أمر به الرب . فعش إذن فى بيت الأمان والطمأنينة ، قانعاً بحاضرك ، واثقاً بمستقبلك ، فيأتى الناس إليك من كل مكان برزق لك من حيث لا تعلم .

ـ إذا كنت مكلفاً بأداء رسالة من أحد النبلاء إلى نبيل آخر ، فأدها كما أخذتها تماماً دون تحريف أو تبديل ، ولا تثر عداوة بكلماتك ، ولا تؤلب نبيل على نبيل  بقلب الحقائق إلباس الباطل ثوب الحق . ولا تكن نماماً ، فالنميمة تكرهها النفس وتأباها الروح .

 

ـ لا تجعل الرجل الذي لا ولد له حسوداً ، ولا تنبذه وتجعله مغموماً محسوراً لهذا السبب . فالأب صاحب الولد قد يعتريه الهم بالرغم من عظم مكانته ، وأم الأولاد كذلك نصيبها من راحة البال قليل ، والرب هو الذي يخلق الإنسان ويقدر له نصيبه فى الحياة .

 

ـ إذا كنت وضيعاً فسر فى ركب رجل عظيم حكيم فتكون أعمالك مباركة أمام الرب.

 

ـ وإذا عرفت رجلاً صغيراً أرتفع فصار عظيماً ، فقدم له فروض الإحترام التى تتناسب مع المركز الذي وصل إليه.   

 

ـ أسمع يا بنى، إن الثراء لا يأتي وحـــــده ، أنه يفد على من يريده ويعمل له ، فإذا عملت له وسعيت وراءه ، فإن الرب ينيلك إياه .

 

أما إذا قعدت وتوانيت وتمسكت بأهداب الكسل والخمول فإن الرب لك بالمرصــــاد ، ينزل عليك غضبه وعقابه .

 

ـ إذا أصبحت عظيماً بعد أن كنت وضيعاً وصرت غنياً بعد أن كنت فقيراً فلا تنس ما كنت عليه فى الماضي ولا تفخر بثروتك وتستكبر فأنت لست بأحسن حالاً من رفاقك الذين حل بهم الفقر.

 

ـ إذا كنت رجلاً عاقلاً فليكن لك ولد تقوم على تربيته وتنشئته ، فذلك شيء يسر الآلهة ، فإذا اقتدى بك ونسج على منوالك ونظم من شئونك ورعاها ، فأعمل له كل ما هو طيب لأنه ولدك وقطعة من نفسك وروحك ،ولا تجعل قلبك يجافيه ، فإذا ركب رأسه ولم يأبه لقواعد السلوك فطغى وبغى ، وتكلم بالإفك والبهتان ، فقوِّمه بالضَّرب حتى يعتدل شأنه ويستقيم قوله ، وباعد بينه وبين رفاق السوء حتى لا يفسد ، أما إذا تحدى قولك فأطرده لأنه ليس أبنك ، ولم يولد لك .

ـ إذا كنت في مجلس فأعمل طبقاً لما كلفت به أول يوم ولا تتغيب بل أنتظر حتى يأتي دورك ، وعندئذ كن مستعداً للدخول دون دفع أو تزاحم فالمكان رحب وقاعة المجلس يسيطر عليها نظام دقيق ، وتسير أمورها وفق خطة محكمة ، أنه هو الرب الذي يهب المرء مقعداً فيها يجزى به المستحقين ولا يناله المعتدون .

 

ـ إذا كنت بين جماعة من الناس ، فأجعل حب الناس هدفك ومنيتك ، ومبتغى قلبك وهواك ، فيقول من يراك : (( هذا هو رجل ناجح وأتته الثروة فلأقلده )) ، فيحسن ذكرك جيرانك ، ويكتمل من أمرك ما ينقصه . أما من يسير على هواه فلا يكون نصيبه إلا الإحتقار وهوان الشأن ، وما هو ببالغ من حب الناس شيئاً ، فيصبح قلبه ملئ بالبؤس ، وجسمه بغيضاً ، ويغدو مرذولاً عند المؤمنين بالرب . إن من أتبع هواه ضل ، وله من نفسه عدو مبين .

 

ـ كن صريحاً ولا تخف من أعمالك شيئاً ، بل صارح بها رئيسك فى مجلسه حتى ولو كان يعلم بها ، فلا يضير المرء أن يقال له : (( هذا شئ أعلمه )) .

 

ـ إذا كنت زعيماً على قوم ، فتصرف فى شئونهم بما تقضى به قواعد القوانين والأنظمة ، ناظراً إلى ما يتأتى فى قابل الأيام عندما لا يفيد الكلام .

 

ـ إذا كنت حاكماً فكن عطوفاً مستأنياً عندما تصغي إلى شكوى مظلوم ، ولا تجعله يتردد فى أن يفضي إليك بدخيلة نفسه ، بل كن به رفيقاً ولحاجته قاضياً ، ولظلمه مزيلاً رافعاً .

 

      أجعله يسترسل فى كلامه على سجيته حتى تقضى له حاجته التي أتى من أجلها إليك ، فإنه إذا تردد فى أن يفضى إليك بما يجيش فى صدرك قيل : (( أن القاضي يظلم من لا يستطيع لظلمه دفعاً )) ، بيد أن القلب الحاني العطوف يستمع ويصغى عن رغبة .

 

ـ إذا كنت تريد أن تكون موفور الكرامة فى أى منزل تدخله ـ سواء كان منزل عظيم أم أخ أم صديق ، فلا تقرب النساء ، فما من مكان دخله التعلق بهوى النساء إلا وفسد . ومن الحكمة أن تجنب نفسك مواطن الشطط والزلل ، ولا توردها موارد التهلكة ، فإن ألافاً من الرجال أهلكوا أنفسهم وعملوا على حتفهم من أجل تمتعهم بلذة عارضة تذهب كحلم في لمح البصر .

 

ـ إن الرجال ليفتتنون بأعضائهن البراقة ولكنها سرعان ما تصبح بعد ذلك مثل أحجار (( هرست )) والموت يأتي في النهاية.

 

ـ إذا أردت أن تكون أعمالك حسنة مستطابة فكن بعيداً عن المساوئ والشرور ، وهدئ من طباعك وتجنب الشراهة ، لأن هذه رذيلة تقود إلى الهلاك ، فهى تفرق بين الآباء والأمهات ، والأخوة والأخوات ، وتبذر بذور الشقاق بين الزوج وزوجته .

 

أما الرجل العادل الذي يسير على صراط مستقيم فغنه يعيش طويلاً ، ويحرز ثروة كبيرة على حين لا يجد الرجل الشره قبراً له .

 

ـ لا تكن شرهاً  في القسمة ، فلا تأخذ منها ما ليس لك ، ولا تطمع فيما هو لأقاربك ، والكلمة الطيبة اللينة خير من القوة وأجدى ، والطماع يخرج دائماً صفر اليدين من بين أقاربه وأخدانه ، لأنه حرم موهبة الكلام الرقيق ، وأن القليل الذي يختلس يولد العداوة ( حتى ) عند صاحب الطبع اللين .

 

ـ أشبع خدمك الأجراء بما لديك ، ومما أفاء الرب عليك ، فهذا واجبك ، ولو أنه من الصعب إرضاء الخادم الأجير ، وعندما تطوق الخدم بفضلك وكرمك يأتون إليك ويقولون ( نريد أن نذهب ونتركك) ..ألا فلتذهب الرحمة من مدينة يقيم فيها خدم خبثاء تعساء !!!!

 

ـ أشبع أصدقائك بما أفاء الربٌّ عليك من خير وحظوة ، فالحكمة تقضى بذلك ،إذا ما من إنسان يعرف مصيره إذا فكر فى الغد . وإذا حل سوء الطالع بمن كان ذا حظوة فإن أصدقاءه هم الذين يقولون له ( مرحباً ) فأستبق لذلك مودتهم لوقت الشدة الذي يتهدد الإنسان .

 

ـ لا تردد كلاماً قيل في ساعة غضب ولا تصغ إليه ، لأنه خرج من بدن أحمته ثورة الغضب . وإذا أعيد هذا الكلام عليك فلا تستمع إليه ، بل أنظر إلى الأرض ولا تتكلم  بشأنه ، فيخجل من هو أمامك ويعرف الحكمة ، وإذا أمرت بإقتراف سرقة فعليك إن تتفادى الأمر لأن السرقة شنيعة طبقاً  للقانون .

 

ـ إذا كنت رجلاً ذا شأن وجلست فى مجلس سيدك فثق أن السكوت أجدى لك من الثرثرة فى الكلام ، ولا تتكلم إلا إذا كان لديك ما تريد أن تقوله حقاً ، وحينذاك يجب عليك أن تكون فناناً ، لأن الكلام أصعب من أي عمل آخر .

 

ـ إذا كنت ذا بطش وسلطان ، فدعهم يوقرونك من أجل علمك ورقة حاشيتك ، ولا تصمت ولكن حذار من أن تقاطع أحداً وهو يتكلم ، وإياك إن تجيب وأنت فى ثورة غضب .

 

ـ إذا كان الأمير منهمكاً في عمل فلا تثر ما يعوقه ، ولا تغضب قلباً مثقلاً بالهموم ، إنه لينصرف عمن يعطله ، ولكنه يفضى بدخيلة نفسه لمن يحبه ، إن تآلف الأرواح هو من الرب الذي يحب خلقه ، أنطلق إذن بعد شجار مرير وتصاف مع من كان لك خصماً ، فمثل هذه الأحاسيس هي التي تقوى الحب.

 

ـ إذا كنت أستاذاً ومربياً تقوم على تعليم أحد النبلاء ، فعلمه الأشياء التي تعود عليه بالنفع ودعه يختلط بالناس ويقر بالفضل لأستاذه ، إذ أن رزقك يأتيك منه ، فأنت من خيره تشبع بطنك وتكسو ظهرك ، ودعه يحبك حتى يعمر بيتك ويعلو شرفك . ولسوف يمد يده فى رفق إليك ويعطيك ويغرس حبك في قلوب أصدقائك.

 

ـ إذا كنت أبن أحد رجال الدين ، ورسول سلام بين جموع الناس ، فتكلم دون أن تحابى طرفاً ، وليكن هدفك إصدار أحكام دقيقة .

 

ـ إذا كنت قد تسامحت فى سابق الأيام فصفحت عن شخص بغية هدايته ، فدعه وشأنه ، ولا تذكره بفضلك فى الغد .

 

ـ إذا صرت رجلاً عظيماً وكنت فى وقت من الأوقات صغيراً فلا تتكبر ، فلست أنت الأخير وسرعان ما يبلغ سواك المرتبة التى بلغتها فيكون مساوياً لك ، يأتيه من الثروة والجاه ما أتاك .

 

ـ إنحني أمام رئيسك ، المشرف عليك فى شئون الإدارة الملكية ، حتى يظل بيتك مفتوحاً ، ويستمر رزقك ومرتبك جارياً ، ولا تعصه ، فإن عصيان من بيده السلطة حماقة وشر مستطير .

 

ـ لا تسلب منازل المزارعين ، ولا تسرق صديق حتى لا يتهمك فى مواجهتك فينقبض قلبك ، وإذا علم بأمرك فإنه لن يتوانى عن أذاك وضررك ، ما أحمق الخصام بدل الصداقة !!!!

 

ـ إذا كنت تبحث عن أخلاق صديق فلا تسأل أقرانه عنها ، ولكن إختلط  به وأقض وقتاً معه حتى تختبر أحواله ، وتناقش معه بعد زمن ، وأمتحن قلبه فى معرض كلام ، فإن كشف لك عن ماضى حياته فقد هيأ لك الفرصة إما أن تخجل منه أو لكى تكون له صديقاً ، ولا تكن متحفظاً عندما يبدأ الحديث ، ولا تجبه بخشونة ، ولا تتركه ، ولا تقاطعه حتى ينتهى من حديثه ، فقد تستفيد مما يقول ، أما إذا أفشى شيئاً يكون قد رآه أو فعل شيئاً يغضبك ، فكن حذراً حتى فى إجاباتك . 

 

ـ كن سمح الوجه وضاء الجبين مشرق الطلعة ما دمت حياً ، ولا تحزن على ما فات ، والمرء يذكر بأعماله بعد موته .

 

ـ أعرف جيداً من يعاملك من التجار ، فإنه إذا ساءت حالك فإن شهرتك الحسنة بين أصدقاؤك ستكون لك ذخيرة ، إنها خير من الألقاب ومن الغنى ، فالغنى يزول ، وينتقل من شخص لآخر ، والذكرى الحسنة باقية للمرء مفخرة له ، إن الخلق الحسن يبقى شيئاً مذكوراً . 

 

ـ ألا فلتعلم أن الرذيلة يجب أن تمحق حتي يتأتى للفضيلة أن تعيش وتبقى .

 

ـ عندما تجلس إلى مائدة أحد الكبار ، فخذ إذا أعطاك مما هو موجود أمامك . ولا تنظر إلى ما وضع أمامه ، بل أنظر إلى ما وضع أمامك أنت ، ولا تصوب إليه نظراتك الكثيرة لأن النفس  ( كا ) تشمئز عندما يصطدم المرء بها . وغض من بصرك حتى يحييك ولا تتكلم إلا إذا حيَّاك . أضحك عندما يضحك فإن هذا مما يبهج قلبه ويجعل ما تفعله مقبولاً لديه ، لأن الإنسان لا يعلم ما فى القلب .

 

ـ إذا جلس الرجل العظيم إلى الطعام ، فإن مسلكه وأعماله تجيء من وحى روحه فقد تمتد يده بالطعام إلى من يجلس بجواره وقد تتجاوزه إلى البعيد بوحى من الروح ( كا ) والخبز يرزقه الرب لمن يشاء .

 

 – لا تردد الشائعات ، ولا تستمع إليها .

 

– لا تثرثر مع جيرانك ، فالناس تحترم الصامت .

 

– في الإستماع فوائد للمستمع .

 

– إذا كنت تعمل بجد ، وإذا كان نمت الحقول كما ينبغي ، فذلك لأن الله قد وضع البركة في يديك .

 

– القلب الكبير هبة من الله ، ومن يطيع بطنه ، فهو يطيع عدوه .

 

ـ إذا كنت رجلاً عاقلاً فأتخذ لك ( فأسس لنفسك ) بيتاً وأحب زوجتك وخذها بين ذراعيك ، أشبع جوفها ، وأكس جسدها ، إن الدهان هو علاج أعضائها ، أفرح قلبها طول حياتك ، لأن مثلها مثل الحقل الذي يعود بالخير الوفير على صاحبه ، لا تكن فظاً لأن اللين يفلح معها أكثر من القوة ، إنتبه إلى ما ترغب فيه وإلى ما تتجه نحوه رغبتها وتنظر عينيها وأجلبه لها . وبهذا تستبقيها فى منزلك .

 

ـ إذا اتخذت إمرأة ( زوجة ) مهذبة مثقفة يفيض قلبها بالمرح ويعرفها أهل بلدتها ، فترفق بها ولا تطردها بل أعطها ما تأكل منه حتى يكتنز جسمها من الطعام .

 

 

أنتهت الوصية ……..

وعن ترجمة كريستيان جاك في أحد أهم مؤلفاته لأهم ما ذكر في الوصية :

 “الحكمة المعيشية في مصر القديمة “

” The Living Wisdom of Ancient Egypt 

 

– يجب أن يكون السلوك سوياً لدرجة قياسه على الشاقول .

– الظلم موجود بوفرة ، ولكن الشر لا يمكن أبداً أن ينجح على المدى الطويل .

 

– عاقب وفق القواعد ، وإذا علـّمت فليكن تعليمك ذو معنى ، محاربة المساويء تؤدي إلى العشوائية.

 

– لا تؤدي أعمال الإنسان إلى شيء ، وإنما الإرادة الإلهية هي السائرة .

 

– من يرشدهم الإله لا يضلوا، ومن يبعد قاربهم (الإله) فلن يستطيعوا العبور .

 

– إتبع قلبك طوال حياتك، ولا تزيد العنف تجاه ما تقرر .

 

– إذا كنت تعمل بجد ، وإذا كان نمو الحقول كما ينبغي ، فذلك لأن الله قد وضع البركة في يديك .

 

– لا تثرثر في حيّك ، فالناس تحترم الصامت .

 

– في الإستماع فوائد للمستمع .

 

– إذا أصغي المسمع إصغاء جيداً ، فسوف يفهم جيداً .

 

 – من يستمع يصبح سيد المكاسب.

 

– الإستماع أفضل من أي شيء ، وهكذا يولد الحب المثالي .

 

– الإله يحب الصاغين ، ويكره من لا يصغى .

 

– الجاهل الذي لا يصغي لا يصل إلى شيء ، فهو يساوي بين المعرفة والجهل، وبين المفيد والضار، ويفعل الشائبات فيستاء الناس منه يومياً .

 

– الكلمة الحسنة مدفونة أعمق من الحجر الكريم ، وهي موجودة بجانب الخدم العاملين في الطاحونة .

– لا تتحدث إلا عندما يكون لديك شيء يستحق أن تقوله .

 

– وأنت أيها المرء ، علم أبنك الكلام المتوارث ، فربما كان مثالاً يحذو حذوه أبناء العظماء ، وقد يجدوا فيه الفهم والعدل لكل من يخاطبه ، بما أن الإنسان لم يولد حكيماً .

 

 – المرأة ذات القلب السعيد تجلب التوازن .

 

 – حب زوجتك بحرارة .

 

– هؤلاء الذين يشتهون النساء دائماً ، لن ينجحوا بشيء مما يخططون له .

 

-كم هو رائع الأبن الذي يطيع والده !   

 

– كم هو سعيد من يقال عنه : أبن لطيف عندما يعرف كيف يستمع .

 

– لا تلوم أولئك الذين ليس لديهم أطفال ، ولا تنتقدهم ، ولا تتفاخر بأنه لديك أطفال .

 

 – لا تتفاخر بما تعرفه ، وأستشر الجاهل والحكيم . 

 

– لا تثق من أعماق قلبك فيما جمعته من ثروات، لأن كل شيء هو من عطاء الإله.

 

– فكر في العيش بسلام بما لديك ، وما يريده الإله فهو المقدور.

 

– لا تردد الشائعات ، ولا تستمع إليها .

 

– من لديه قلب كبير لديه هبة من الله ، ومن يُطيع بطنه ، فهو يطيع عدوه .

 

– من يرشده الإله لا يضل ، ومن يمنعهم (الإله) من المرور فلن يستطيعوا عبور نهر الحياة .

 

– السلوك السليم تعرفه من الطريق السليم في التعامل .

 

– من يتعز بالإله فهو مصيب ، ومن يمسك الإله بقاربه فلن يفلح في العبور .

 

– تكلم فقط إذا كان لديك شيئاً معقولاً تقوله. 

 

أما بالنسبة للحكيم بتاح حتب فنصائحه تشف عن حكمة بالغة إنها كلمات رجل جرَّب الحياة وأفاد من هذه التجارب وليست التجربة وحدها هي التي أمدته بهذا الفيض من الحكم إذْ أنه يعترف بأنه يسجل بعض ما تعلمه من أسلافه وينقل لأبنه ليحافظ على هذا التراث والملاحظ أنَّ هذه النصائح التي يسوقها الحكيم بتاح حتب تغطي مساحة كبيرة من شئون الحياة في نصائح متنوعة ويظهر من هذه النصائح مدى حرص الحكيم – الذي يعبر عن ثقافة قومه – ندى الحرص على القناعة والعدل والإحسان إلى الناس وعدم قهر الفقراء ومراعاة مشاعر الآخر والحرص على العمل و الحرص على التعليم  وحسن معاملة الآخر .

 

ومن الوصايا العظيمة حسن معاملة الزوجة والإحسان إليها والحرص على زينتها وعطورها وملابسها والإهتمام بكل ما يدخل السرور إلى قلبها والحرص كذلك على الأم التي أنشأت أبنها وقامت على رعايته صغيراً .

 

إنَّ هذه النصائح تجعلنا نقف مبهورين أمام حضارة ورقي المصري القديم وحرصه على نقل تجاربه وثقافته لأبنائه وحرصه كذلك على القيم النبيلة .

 

حرص المصري القديم على العفاف والبعد عن الخَنَا وسوء الخلق والفساد والبعد عن المحرمات التي تتعلق بالشرف ، والبعد عن العلاقات المشبوهة مع النساء ، فمن يفعل هذا يكون مرزولاً لديهم ويحط من قدره في أعين الناس .

 

البعد عن الطمع والحرص على العطاء للأصدقاء والفقراء والخدم ، وكذلك الحرص على التعامل مع الأمراء والرؤساء وعامة الناس , فالوصية تلخص ما يدور حول فن التواصل مع الآخر الذي نعرفه الآن ضمن إهتمامات علم التنمية البشرية .

 

قال تعالى : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً .

جزء من بردية بريسي بالكتابة الهيراطيقية

تعاليم الحكيم بتاح

بتاح حتب وزوجته خامرر نبتي ، من مقبرتهما بسقارة

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *