الخميس , 19 سبتمبر 2019 - 9:33 صباحًا
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

• خطبة الجمعة : الْحَجّ مُؤْتَمَرٌدِينِيٌّ عَالَمَي كَبِيرٌ …

يلقيها فضيلة الشيخ / عبد الناصر بليح

الحمد لله رب العالمين ..والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد فيا عباد الله الحج مؤتمرعالمى للحواريعقدكل عام “من الذى دعاإليه ?وماموعد ومكان الدعوة?وهل المؤتمرله قرارات وتوصيات ونتائج?هذا ماسنعرفه من خلال حديثنا اليوم عن تلكم المؤتمر السنوي الكبير..

أيها الناس :” إن الدعوة لهذا المؤتمر العظيم جاءت بأمر من الله تعالى لنبيه إبراهيم الخليل عليه السلام :”وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ “(الحج/27)،

وهى دعوة قديمة، ومكان الانعقاد الدائم الذى لا يتغير هو بيت الله الحرام وأكنافه المقدسة التى جمعت بين البركة الإلهية، والعراقة التاريخية، والحرمة الدينية:”رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ” (إبراهيم/37).

#ووقت تلبية الدعوة بأشهرحرم معلومات شوال وذوالقعدةوذوالحجة:”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ “(البقرة/197).

# ومن خاف الحضور وخشي علي نفسه من إرهاب أو ترويع فإن الله يطمئنه :” إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا”(آل عمران /96-97).

#ومن لم يستطع تلبية الدعوة لعجز أو عدم استطاعة فليس عليه شيء:”وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”(آل عمران/97).

# ومن وجهت إليه الدعوة ولبي ولكنه انقطع به السفر ولم يستطع الوصول فعليه أن يقدم هدياً:”وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ “(البقرة/196).

#شعار المؤتمر الوحدانية لله :” لبيك اللهم لبيك ” والحج مؤتمر ديني كبير فيه يجتمع المسلمون من كل بقاع الأرض لتأدية هذه العبادة العظيمة فتمتلئ بهم الجبال والسهول، وتسيل بهم البطاح والأودية في موكب مهيب هتافهم واحد رغم اختلاف الأجناس والألسنة فالكل يردد “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”، فتظهر بذلك مقومات وحدة هذه الأمة في تلاحمها وتآزرها وعبادتها ولغتها، وهي العناصر الأساس التي تحفظ للأمة قوتها وسيادتها وهيبتها بين الأمم.

#ومن أداب الوفود وأداب الزيارة وواجبات الشعيرة أن يلتزم بالزي الرسمي الموحد للمؤتمر وهو ملابس الإحرام حيث يشهد المسلمون أروع مظاهر المساواة والتواضع والأخوة الإنسانية بإلغاء الفوارق وخلع أسباب الظهور الاجتماعي والظهور باللباس العبادي الموحد”لباس الإحرام”، حيث يحس الجميع بوحدة النوع الإنساني بالمساواة، ويستشعر المسلمون وحدة الأرض ووحدة البشر، فهم يقطعون آلاف الأميال، استجابة لنداء العقيدة وتلبية لهتاف الإيمان.

ومن أدابه الالتزام بتعليمات المؤتمر كاملة :”وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(البقرة/196).

#وجميع أعمال المؤتمر تتركز في عشرة أيام هي خير أيام الدنيا وأفضل أيام العام أقسم الله عز وجل بشرفها:”وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ”(الفجر1-2).

وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قال، قال رَسُول اللَّهِ صلي الله عليه وسلم :”ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى اللَّه من هذه الأيام) يعني أيام العشر. قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ولا الجهاد في سبيل اللَّه قال:”ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء”( البُخَارِيُّ). وعنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:”ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى”، وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -قال:”أفضل أيام الدنيا أيام العشر”( البزار وأبو يعلى وصححه الألباني).

#ومكان انعقاد المؤتمرهو صعيد عرفات الله وفوق سفح الجبل المبارك فالحج عرفة:”لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَالْمَشْعَرِالْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَاهَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ”(البقرة/198).

#وذروة الانعقاد والذكروالعبادة في أيام معدودات:”وَاذْكُرُوااللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ “(البقرة/203).#طعامهم وأكلهم وشربهم من بهيمةالأنعام وماءزمزم:”وَيَذْكُرُوااسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَارَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِالْأَنْعَامِ فَكُلُوامِنْهَاوَأَطْعِمُواالْبَائِسَ الْفَقِيرَ”(الحج/28).

#من صميم أعمال المؤتمر الطواف والسعي بين الصفا والمروة وهي من واجبات الحج:” وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ “(الحج/30). :” إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ”(البقرة/158).

#ضروريات المؤتمر الانقياد لأوامر الله عز وجل وإعلان العداوة علي الشيطان برمي الجمرات الثلاث الكبري والوسطي والصغري وإظهاراًلرق والعبودية، وانتهاضاًلمجردالامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه، تشبهاً بنبي الله إبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالي في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية، فأمره الله أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله”.:” فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ”(البقرة/203).

# توصيات وقرارات وثمرات المؤتمر التحلي بالأدب ومكارم الأخلاق والتزود بالتقوي والعمل الصالح فهو خيرزاد للأخرة :” فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”(البقرة/197).

#نتائج المؤتمر وفوائده:”

عباد الله :” هذا المؤتمر الإسلامي العالمي بهذه الأعداد الكبيرة فى كل عام والوفود الكثيرة, فهو بحقيقة الأمر أعظم مؤتمر للأمة الإسلامية, حتى أنه أعظم مؤتمر بالنسبة للبشرية كلها, فلا يوجد على وجه الأرض مؤتمر آخر يجتمع فيه المسلمون بأعداد كثيرة فى أى مكان, وفى أى زمان من العالم كاجتماعهم فى الحج , ولو تـُرك الأمر للمسلمين لأصبحت أعدادهم أضعافاً مضاعفة مما هى عليه اليوم.

وله من الفوائد والنتائج الكثير منها :”

#الهدف من الدعوة المباركة هو النفع العام :”لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ”(الحج/28). الحج فريضة عظيمة، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام وشعيرة مقدسة لها أهمية كبرى ومقاصد شرعية كثيرة تعود بالنفع على الفرد والأمة في الحياة الدنيا والآخرة، فهو أكبر مؤتمر إسلامي وأكبر تجمع بشري ديني منظم في العالم على الإطلاق، موسم يلتقي فيه كل عام في نفس المكان والزمان العديد من التجمعات البشرية باختلاف جنسياتها وثقافاتها، ومؤتمر عام يجمع المسلمين فيربيهم ويغرس في نفوسهم أنهم أمة واحدة مهما تعددت أفكارهم، ووحدة الأمة تجلب منافع عدة اجتماعية واقتصادية، تتحقق من خلاله عدة فوائد كالعبادة والذكر والصبر والانضباط والأخوة والتواصل وتبادل الخبرات والتعارف وغيرها من المقاصد. والقرآن الكريم أوضح أن الحج كله منافع منها الظاهرة ومنها الباطنة، حيث يقول تعالى:”… لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ…)فالإسلام ليس دين عبادات وطقوس لتهذيب الضمير وتطهير الوجدان فقط، إنما أيضاً دين معاملات ومنهج أخلاقي، وأن الحج فرصة كبرى لعقد المؤتمرات والندوات لدراسة مشكلات المسلمين الاقتصادية ولا سيما مشكلة التكامل والتنسيق الاقتصادي بين الدول الإسلامية. والحج موسم تجارة وحصاد عالمي، حيث المكان الذي تجبى إليه ثمرات كل شيء كما في قوله تعالى:” أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ..”(القصص/ 57).، حيث تجتمع فيه خيرات الأرض كلها ويتبادل الحجيج فيه منافع التجارة ويعقدون الصفقات المربحة، وقال ابن عباس، إن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحج فخافوا البيع وهم حرم فأنزل الله سبحانه:”لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ…”( البقرة: الآية 198). أي في مواسم الحج.

#تعظيم حرمات الله :” ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ”(الحج/30).

#مغفرة الذنوب والأثام يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص :”أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟”(). ولمَّا سُئل عليه الصلاةوالسلام: أى الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم أى ؟ قال: جهاد فى سبيل الله. قيل: ثم أى ؟ قال: حج مبرور”(البخاري).

فإنهم يأتون من أرجاء الأرض، يؤمون هذا البيت العتيق أداء لما أوجب الله عليهم، وحرصاً على مغفرة ذنوبهم وحط خطاياهم وفوزهم بالجنة، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم :”العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

وهذه فائدة عظيمة لمن بر حجه، وفي اللفظ الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”(). ومعنى: لم يرفث أي: لم يجامع زوجته في حال الإحرام، ولم يتكلم معها بما لا ينبغي من كلام الجماع، أو يأت ما لا ينبغي من قبلة أو لمس في حال الإحرام كل هذا رفث.

ولم يفسق يعني: لم يأت بشيء من المعاصي، فالفسوق ينطبق على المعاصي كلها، كلها فسوق، فإذا حج المؤمن واستقام على أمر الله في حجه وتجنب الرفث والفسوق، فإنه يكون أدى حجه على وجه البر، فيرجى له مغفرة الذنوب وحط الخطايا، والفوز بالجنة والنجاة من النار. نعم.

الخطبة الثانية :”

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله أما بعد فياعباد الله ..

وكذلك من فوائدالمؤتمر: التعارف بين المسلمين،والتلاقي والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، هذه من فوائده.ومن فوائده أيضاً: أن الإنسان قد يجتمع بقريبه وصديقه فيستفيد منه نصيحة أو تعاوناً على البر و التقوى، أو تعاوناً دنيوياً، ومن ذلك ما يسمعه الحجاج من النصائح، وحلقات العلم والعظة والتذكير في المساجد وفي المسجد الحرام وفي المشاعر، فإن هذه الأشياء لها فائدتها العظيمة. نعم.

#سمات المؤتمر :” ولهذا المؤتمر سمات عديدةفمن السمات البارزة التي تميَّزت به هذه العبادة العظيمة، والتي احتوت جميع المعاني المذكورة – كونه مؤتمرًا إسلاميًّا كبيرًا، يبثُّ روح الأخوَّة الإيمانية بين أفراد أمة الإسلام في أعظم صورها وأبهى معانيها؛ إذ هو مصدر قوة المسلمين، وسرُّ توحُّدهم، ويتَّضح كون الحج مؤتمرًا إسلاميًّا من جهات عِدَّة:

1- كونه يدل على الوحدة الإسلامية بكل معانيها وجميع صورها، ويؤكِّد على روح التراحُم والتآخي بين أفراده، فليس هناك ما يجمع هذا الكمَّ من الناس وهم يؤدُّون شعيرة من شعائر الإسلام في مكان واحد، على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم – مثلُ شعيرة الحج؛ حيث تذوب لغة الفوارق – اللغة واللون والجنس – وتبقى اللغة الوحيد للتخاطب هي لغة المحبة والأخوة والدين. لا يخفى على أحد أن وحدة المسلمين تقف على رأس منافع الأمة الإسلامية اليوم، فما أحوجنا للوحدة بعد أن تشرذمنا وتفرقنا.ما أحوجنا للوحدة كى نواجه أعداءنا، ونسترد ديارنا المغصوبة، وننقذ مقدساتنا المدنسة، ونصون أعراضنا المنتهكة، ونعيد ثرواتنا المنتهبة، وننتصر لنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام.ما أحوجنا للوحدة كى نحوز على رضا ربنا وخالقنا ورازقنا الذى أتاح للحجاج منا فرصة الاجتماع والمشاركة فى هذا المؤتمر العظيم لغفران الذنوب والتنقية من الخطايا ولكن كيف تتحقق الوحدة و أزمات المسلمين لا تنتهى؟.

2- إن قدوم المسلمين من شتَّى بقاع المعمورة لأداء تلك الفريضة بلباس واحد وتلبية واحدة وتوجه واحديغيظ أعداء الإسلام، بل يرعبهم ويخيفهم، ويربك مخطَّطاتهم التي يعدُّونها للتفريق بين أبناء الأمة الواحدة، فإذا بالحج يبطل جميع تلك المكايد والمخططات والتصوُّرات، ويجعلها هباء منثورًا، وهم ما بين حاقدٍ أعمى الحسدُ قلبَه، يغيظه اجتماع المسلمين على كلمة واحدة، وما بين مفكِّر يبحث عن سرِّ عظمة هذا الدين، فيجد – ومن خلال هذا المؤتمر الإسلامي – من اجتماع أهل الإسلام، وتوحُّد كلمتهم ما يدعوه إلى الإسلام والنطق بكلمة الشهادة.

3- كون ذلك المؤتمر يجتمع فيه العلماء والمفكِّرون، حيث تتلاقَي الأفكار، ويتبادلون الآراء والتجارِب، ويتحاورون فيما بينهم في تناول قضايا المسلمين وقضاياهم المصيرية، والسعي لإيجاد الحلول المناسبة لها،وينقل أحدهم للأخر ما في بلاده من مآسٍ وويلات ونكبات،ويتَّجه الجميع إلى المولى وبدعاء خاشع، وفي مواقف عظيمةكموقف عرفةحيث تنزل الرحمات،ونزول السكينةأن ينصر الله امةالإسلام،ويعيدلهاأمجادهاوعزها،فيزول مابين علماءالأمةمن تباعُد وتفرُّق،فيتحقق المقصودالأعظم من اجتماع الكلمة،وائتلاف القلوب،وتوحد الصفوف.

4- كونه مؤتمرًا يذكر فيه البشرية بأصلهم العريق الممتدِّ في عمق التاريخ، منذ أبيهم إبراهيم – عليه السلام – وهو ما يزيد من فُرَص التلاقي والتحاوُر بين أبناء الأمة الإسلامية، وهو دعوة لغيرهم من الأديان في أن يلبُّوا نداء الرحمن بترك عبادة الشيطان، والإعلان عن الانتماء إلى دين الإسلام؛ قال – تعالى:”قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”(آل عمران: 64).، فالإسلام الذي بعث الله به الرسل – الإسلام العام – هو الاستسلام لله، والخضوع له، والحج ومناسكه من الفرائض التي تقوِّي تلك المعاني في نفوس الحجاج،

5- كونه مؤتمراً فهوفرصة جامعة حيث يحتشد المسلمون من كل بقاع الأرض، ومن ضمنهم الرؤساء والعلماء والفقهاء وأصحاب الرأي والعلم، فإذا كان الحج فرصة لعامة الناس للتعارف والتواد وتبادل المنافع، فإنه فرصة لقادة المسلمين والعلماء والفقهاء وأصحاب الرأي للاجتماع وتدارس مشكلات الأمة وما يواجهها من معضلات، وما يفت في عضدها من مشكلات، ومحاولة إيجاد الحلول لتلك المشكلات، والبحث عن طرق لإعادة الأمة إلى ما كانت عليه من تكاتف ووحدة، وإزالة كل أسباب البغضاء والشحناء، يتوافد ملايين المسلمين من كل بقاع العالم في فرصة حقيقية ليتدارسوا أمور دينهم وهموم أمتهم، وقضايا الأقليات الإسلامية في الدول الأخرى، وهكذا فإن الحج رمز لوحدة هذه الأمة، وتأكيد أن هذه الأمة لا يفرق بين أفرادها لون أو مذهب أو طائفة أو عرق فكلهم يتجهون إلى قبلة واحدة، يطوفون حول كعبة واحدة في اتجاه واحد، يسعون في مسار مسعى واحد، يقفون بعرفة، يبيتون في مزدلفة، يرمون الجمار تجاه مرمى واحد، وهم يلبسون لباساً واحداً في رمزية عميقة لتلك الوحدة.

6-وكونه مؤتمراً فهو فرصة للتغييرفالأصل أن يكون هذا المؤتمر لمعالجة قضايا المسلمين كافة, فقد كانت مواسم الحج فى السابق مؤتمرات, فالرسول عليه السلام كان يتقصد قبائل الحجيج فيدعوهم إلى الله, وكذلك الحال زمن الخلفاء الراشدين ومن خلفهم من بعدهم كانوا يعتبرون موسم الحج بمثابة تأكيد على وحدة بلاد المسلمين كلها, والأصل فينا أن نكون قد بدأنا بهذا منذ زمن بعيد, نقرب الناس ونبين لهم على أن موسم الحج يجب أن يكون مؤتمراً للتغيير فى بلاد المسلمين .

الحج عملٌ عظيم مبارك، ولكن هل يُصدق إنسان عاقل أن اجتماع هذا العدد الهائل من الناس فى صعيد واحد! وفى أيام متتالية لا يمكن أن يؤدى إلى تغيير عظيم على مستوى الدنيا جميعها, إذا ما وُجِّه الوجهة الصحيحة ؟!وهل يمكن أن يصدق إنسان عاقل بأن اجتماع هذا القـَدر من الناس فى مكان واحد, وفى وقت واحد, لا يمكن أن يُغيرللأفضل! على العكس تماما! فالذى يتبادر للذهن بأنه إذا لم يكن هناك قدرة للناس على التغيير وهم متفرقون! فإن اجتماعهم هذا يقربهم من التغيير المنشود, ولكن المعضلة أن هذا التغيير لا يجرى!.على الرغم من رضوان الله تبارك وتعالى, وعلى الرغم من الأجر العظيم الذى يكرم الله به الحجيج, حين يُباهى بهم ملائكته وقد جاؤوا إلى بيته شـُعثا غـُبرا, ويشهدهم أنه قد غفر لهم,

أيها الناس :” وعلى أساس ما تقدَّم، فبشيء من التخطيط المُنَسَّق والتوجيه المدروس يمكن استثمار هذا اللقاء – ضمن تلك الأجواء الروحية، وعودة الحجاج إلى نقاء الفطرة – والمؤتمر؛ لتعزيز التآخي والاجتماع، ومن خلال مناقشة ما يدور من أوضاع الأمَّة الإسلامية، ومن خلال حوار بنَّاء، ممَّا له أبلغ الأثر في نصرة الإسلام وأهله، وإشاعة روح المحبة والتناصُر؛ ليتحقق فينا قول الله:”كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر”(آل عمران: 110).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *