الأحد , 15 سبتمبر 2019 - 6:55 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

يناير بين 1952 و 2011

وائل الشهاوي – يكتب

ثمانى سنوات مرت حتى الآن حاولت أن أكون موضوعيًا، وأعثر على نتيجة إيجابية واحدة تساوى السلبيات والخسائر التى تكبدناها فلم أجد، وجدت أن كل النقاشات والتحليلات تقود فى النهاية إلى نتيجة واحدة أنها كانت كارثة على البلد والمواطن، وسنحتاج سنوات أخرى طويلة لإزالة آثارها بصرف النظر عن الخلاف الأزلى بين من يرى أنها لم تكن جنة فى العهد السابق وبين من يرى أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان عليه الوضع. فكلنا يتذكر كيف كان الخوف منتشرًا بيننا إبان أحداث يناير ٢٠١١ وكيف استمر الرجال فى الشوارع، فى محاولة لتحقيق الأمن الجزئى فى نطاق سكنهم على مدار ٢٤ ساعة، وما قابله من مشقة لعدم وجود قوات الشرطة فى هذه الأيام العصيبة بصورة حقيقية على الأرض. غياب قوات الشرطة عن الشارع المصرى كان يعنى غياب القانون ما أدى إلى انتشار الفوضى بكل أشكالها فى ظل ترويج عدد كبير من المأجورين لها على أنها حرية وديمقراطية، محاولين تضليل قطاع كبير من المواطنين لخلط المفاهيم فى أذهانهم، فقد تكون حرًا فى وطنك ولا يحاسبك أحد، ولا قانون يلزمك بشيء، ولكنك فى نفس الوقت لن تجد من يحميك أو يؤمنك فيستطيع أى شخص قتل الآخر وسرقته أو خطفه هو وأى فرد من أسرته دون أن يتعرض له أحد أو يحاسبه أحد، ودون خوف من تعرضه لأى نوع من أنواع العقاب. فهو فى دولة فيها حرية يفعل ما يشاء فى أى وقت شاء كيفما شاء، وعندها سيبحث الضعيف عن أى شخص يحميه لأن شريعة الغاب ستكون هى السائدة. ومن معه القوة هو صاحب الكلمة العليا. 
وهنا السؤال.. ما فائدة الحرية المطلقة إذا لم يكن معها قانون يحميك وجهاز مسئول عن أمنك وحمايتك؟ لهذا تأسست الدول، ووضعت ميثاقًا لها ألا وهو الدستور ليحكمها ويحكم العلاقة بين أفرادها، وينظم تعاملاتهم ببعضهم البعض، وذلك لإنهاء حالة الفوضى وعدم المحاسبة التى كانت سائدة فى العصور السحيقة، ولتوفير الأمن والأمان لأفرادها، لذلك لن تجد أمنا وأمانا إلا فى الدول التى يحكمها القانون وبها حساب وعقاب للمخالفات.
هكذا الدول إن خلت من القانون والحساب والعقاب تحولت إلى فوضى وأصبحت دولا فاشلة. لذا علينا ألا ننساق وراء الكلمات البراقة للحرية والديمقراطية التى تتردد من بعض الأبواق المشبوهة، فهم يقولون حقا يراد به باطل، وهذا النموذج المزيف من الحرية والديمقراطية نراه فى كثير من الدول المحيطة بنا، كاليمن وليبيا وسوريا، ناهيك عن المثال الأعظم للحرية على النظام الأمريكى فى العراق الشقيق.
نعم هذا هو نموذج الحرية كما يهوى المغرضون والمنافقون، لذا علينا أن نتذكر دائمًا عندما نسمع دعاوى هؤلاء المتآمرين التى تدعو لهدم الدولة ونظامها الأمنى تحت شعارات الحرية المختلفة، أن نقول لهم إن الأمن والأمان هما الحياة، ومصر دومًا كانت، وستظل بإذن الله بلد الأمن والأمان.
علينا أن نحافظ على تعليم أبنائنا تاريخ هذا اليوم الحقيقى والفعلى ونحكى لهم عن الشهداء الحقيقيين، الذى ضحوا بأرواحهم لأجل هذا الوطن وعزته ورفعته رغم أنهم لم يملكوا الأدوات التى تمكنهم من ذلك.
فلم يكن يوم ٢٥ من يناير ١٩٥٢ يومًا عاديًا فى تاريخ مصر مع الاحتلال، ولكنه شهد على بسالة وشجاعة رجال الشرطة المصرية، حينما رفضوا تسليم محافظة الإسماعيلية للبريطانيين، رغم قلة أعدادهم، وضعف أسلحتهم، فسقط العديد من الشهداء، ومئات الجرحى، لكن هذا اليوم اكتسب خصوصية أكبر بالنسبة لأهل الإسماعيلية، الذين تكاتفوا لمقاومة المحتل، فتقاسم رجال الشرطة ومحافظة الإسماعيلية هذا اليوم، ليكون عيدًا لهم ولكل المصريين.
علينا دائمًا أن نذكر أن معركة الإسماعيلية تمثل إحدى فصول النضال الوطنى الذى ثار كالبركان إثر إلغاء معاهدة‏ ١٩٣٦‏ التى كانت قد فرضت على مصر أن تتخذ من المحتل وليًا لها، ليُفرض عليها عبء الدفاع عن مصالح بريطانيا، وتعانى غارات الجيش المحتل التى هدمت الموانئ وهجرت المدن. وما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى ثارت الحركة الوطنية مطالبة بإلغاء المعاهدة وتحقيق الاستقلال، وما كان من حكومة الوفد إلا أن استجابت لهذا المطلب الشعبي‏،‏ وفى الثامن من أكتوبر ‏١٩٥١‏ أعلن رئيس الوزراء مصطفى النحاس إلغاء المعاهدة أمام مجلس النواب.
وفى غضون أيام قليلة نهض شباب مصر إلى منطقة القناة لضرب المعسكرات البريطانية فى مدن القناة،‏ ودارت معارك ساخنة بين الفدائيين وبين جيوش الاحتلال. فى الوقت الذى ترك أكثر من ٩١٥٧٢ عاملًا مصريًا معسكرات البريطانيين للمساهمة فى حركة الكفاح الوطنى، كما امتنع التجار عن إمداد المحتلين بالمواد الغذائية.
وفى صباح يوم الجمعة الموافق ٢٥ يناير عام ١٩٥٢ قام القائد البريطانى بمنطقة القناة «البريجادير أكسهام» واستدعى ضابط الاتصال المصرى، وسلمه إنذارًا لتسلم قوات الشرطة المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وترحل عن منطقة القناة وتنسحب إلى القاهرة.
وما كان من المحافظة إلا أن ترفض الإنذار البريطانى، وأبلغته إلى فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية فى هذا الوقت، والذى طلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.
اشتد غضب القائد البريطانى فى القناة وأفقده قرار الرفض أعصابه، فأمر قواته بمحاصرة قوات شرطة الإسماعيلية، وأطلق البريطانيون نيران مدافعهم بطريقة وحشية لأكثر من ٦ ساعات، فى الوقت التى لم تكن قوات الشرطة المصرية مسلحة إلا ببنادق قديمة الصنع.
حاصر أكثر من ٧ آلاف جندى بريطانى مبنى محافظة الإسماعيلية والثكنات والذى كان يدافع عنهما ٨٥٠ جنديًا فقط، ما جعلها معركة غير متساوية القوة بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المحاصرة، التى دافعت ببسالة عن أرضها بقيادة الضابط مصطفى رفعت حتى سقط منهم خمسون شهيدًا والعديد من الجرحى، الذين رفض العدو إسعافهم.
لم يكتفِ البريطانيون بالقتل والجرح والأسر بل قاموا بهدم قرى مسالمة تابعة للمحافظة، لاعتقادهم أنها مقر يتخفى خلاله الفدائيون، ما أثار الغضب فى قلوب المصريين، فنشبت المظاهرات، لتشق جميع شوارع القاهرة مليئة بجماهير غاضبة تنادى بحمل السلاح لمواجهة العدو الغاشم.
ونتيجة لهذه البطولات الخالدة، فقد أقامت ثورة يوليو ‏١٩٥٢‏ نصبًا تذكاريًا بمبنى بلوكات النظام بالعباسية تكريمًا لشهداء الشرطة، وهو عبارة عن تمثال رمزى لأحد رجال الشرطة البواسل، الذين استشهدوا خلال الصمود فى الإسماعيلية.
هذا هو التاريخ الفعلى لذلك اليوم الملىء بالفخر والإباء والعزة والكرامة الذى يجب أن نحافظ على تعليمه وتذكيره لأبنائنا وأحفادنا ليعلموا كما ضحى آباءهم وأجدادهم فى سبيل هذا الوطن والحفاظ على ترابه.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *