الجمعة , 22 يونيو 2018 - 11:20 صباحًا
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى
أخبار عاجلة

مدفع رمضان .. قصة لا يعرفها الكثيرون

بقلم المؤرخ والباحث في علم المصريات د/ أحمد عبد الصبور 

 

مدفع رمضان هو مدفع يستخدم كأسلوب إعلان عن موعد الإفطار وإخبار العامة عن هذا الموعد ، وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية بحيث يقوم جيش البلد بإطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس معلناً فك الصوم خلال شهر رمضان .

يشير التاريخ إلى أن المسلمين – في شهر رمضان – كانوا أيام الرسول يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم ، وعندما بدأ أستخدام الأذان أشتهر بلال وأبن أم مكتوم بأدائه ، وقد حاول المسلمون على مدى التاريخ – ومع زيادة الرقعة المكانية وإنتشار الإسلام – أن يبتكروا الوسائل المختلفة إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار ، إلى أن ظهر مدفع الإفطار إلى الوجود .

وقد أعتاد المصريون قبل أذان المغرب مباشرة سماع دوي المدفع الذي ينطلق إيذاناً بموعد الإفطار، وعندما يصيح المدفعجي :

« مدفع الإفطار … أضرب » يبدأ الناس في كل مكان في الإلتفاف حول موائد الإفطار، وقد أرتبط ذلك في الذاكرة المصرية بالدفء الأسري ، والحنين دوماً إلى شهر رمضان ولياليه مع الأهل والأصدقاء .

 فما هى حكاية مدفع الإفطار ؟ وكيف تطور منذ عصر محمد علي باشا والي مصر (1805م – 1848م ) حتى دخل عبر الإذاعة المصرية التي لا تزال تحافظ على هذا التقليد الجميل ؟

لقد أختلف الرواة في تأريخ حكاية مدفع رمضان :

 فتقول إحدى القصص أن القاهرة عاصمة مصر أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان ، فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هـجرية 1460 ميلادية ، أراد السلطان المملوكي « خشقدم » أن يجرب مدفعاً جديداً أهداه له صاحب مصنع ألماني فأمر بتجربته ، وتصادف ذلك وقت غروب الشمس في أول يوم من شهر رمضان ، ومع توافد العلماء وشيوخ الحارات وشيوخ الطوائف وجموع أهالي القاهرة على القصر لتناول الإفطار ، فأنتهزوا الفرصة ليعبروا عن شكرهم بتنبيهه لهم بإطلاق مدفع الإفطار ، فقد ظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان ، وعلى ما يبدو أيضاً أن السلطان قد أعجب بالفكرة ؛ فأصدر أوامره بإطلاق مدفع الإفطار يومياً وقت أذان المغرب في شهر رمضان ،  وهكذا كانت القاهرة أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب ، إيذاناً بالإفطار في شهر رمضان .

وتقول رواية أخرى : أن لعبت فيها المصادفة دوراً مهماً ، حيث كان محمد علي باشا والي مصر ومؤسس حكم الأسرة العلوية ، مهتماً بتحديث الجيش المصري وبنائه بشكل قوي لكي يتيح له الدفاع عن مصالح البلاد ، وكان قد أشترى عدداً كبيراً من المدافع الحربية الحديثة في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي في عام 1805 م ، وأثناء تجربة قائد الجيش لأحد المدافع المستوردة من ألمانيا ، أنطلقت قذيفة المدفع مصادفة وقت أذان المغرب في شهر رمضان ، فكان صوت المدفع مدوياً من فوق القلعة فتصور الصائمون أن هذا تقليداً جديداً ، وكان ذلك سبباً في إسعاد الناس الذين أعتبروا ذلك أحد المظاهر المهمة للإحتفاء والإحتفال بهذا الشهر المبارك ، وأعتادوا عليه وطلبوا من الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور فوافق وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يومياً إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام ، وأستخدم المدفع بعد ذلك في التنبيه لوقتي الإفطار والسحور .

وهناك رواية أخرى تفيد بأن ظهور المدفع جاء عن طريق الصدفة ، فلم تكن هناك نية مبيتة لإستخدامه لهذا الغرض على الإطلاق ، حيث كان بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع ، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة ، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان ، فظن الناس أن الحكومة أتبعت تقليدًا جديداً للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك ، وقد علمت الحاجة فاطمة أبنة الخديوي إسماعيل بما حدث ، فأعجبتها الفكرة ، وأصدرت فرماناً يفيد بإستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية ، وقد أرتبط أسم المدفع بأسم الأميرة ( مدفع إفطار الحاجة فاطمة ) .

والجدير بالذكر أن الحاجة فاطمة هي سمو الأميرة فاطمة أبنة الخديوى إسماعيل رحمة الله عليها فقد كانت تعشق الخير والعلم وتبرعت بكامل أراضيها لإنشاء الجامعة الأهلية ( جامعة القاهرة ) وكذلك تبرعت بكل مجوهراتها الثمينة للإنفاق علي تكاليف البناء .

وفي منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في عهد الوالي « عباس حلمي الأول » عام 1853م ، كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة ، الأول من القلعة ، والثاني من سراي عباس باشا الأول بالعباسية ـ ضاحية من ضواحي القاهرة ـ وفي عهد الخديوي إسماعيل تم التفكير في وضع المدفع في مكان مرتفع حتى يصل صوته لأكبر مساحة من القاهرة ، وأستقر في جبل المقطم ، حيث كان يحتفل قبيل بداية شهر رمضان بخروجه من القلعة محمولاً على عربة ذات عجلات ضخمة ، ويعود يوم العيد إلى مخازن القلعة مرة أخرى .

يذكر أنه كانت في القاهرة ستة مدافع للإفطار إثنان في القلعة ، وإثنان في العباسية ، واحد في كل من : حلوان ، ومصر الجديدة ، ولكل منها أسم يرمز له ، حيث نجد أن مدفع القلعة هو الرئيسي ، ويسمى « الحاجة فاطمة » ويقال أنه اشترك في ثلاثة حروب هي تركيا ضد روسيا في شبه جزيرة القرم ، وحرب المقاومة الفرنسية لثورة المكسيك ، وكذلك محاولات غزو بلاد الحبشة .

وتوقف مدفع الإفطار عن عمله لفترة ، وكانت الجماهير تفطر على صوته المسجل في الإذاعة ، لكن ذلك توقف نتيجة ظهور المذياع الذي أصبح يُعلم الشعب بموعد الإفطار والإمساك ، فقد توقف المدفع عن العمل فترة حتى عام 1983ميلادية ثم عاد مرة أخرى كطقس فلكلوري فهو رمز لا يتم الإستغناء عنه ، فقد عاد مرة أخرى بناء على أوامر وزير الداخلية أحمد رشدي الذي أمر بتشغيله ثانية ، ومن المكان نفسه فوق سطح القلعة ، طول أيام شهر رمضان وخلال أيام عيد الفطر أيضاً ، لقد تغير المدفع الرمضاني أكثر من مرة خلال السنوات الماضية لكن دون أن يفقد لقب ” مدفع الحاجة فاطمة ” ، وكما ذكرنا .. فقد تم وضع 6 مدافع حول قاهرة المعز حتى يسمع الجميع دويّه .

وقد أعترضت هيئة الآثار المصرية لأن المدفع يهز جدران القلعة ، والمسجد ، والمتاحف الموجودة في المكان ، ووافقت وزارة الداخلية على نقله مرة أخرى من القلعة إلى جبل المقطم القريب أعلى القاهرة ، مما يتيح لكل أبناء العاصمة الكبيرة سماعه .

 

وحالياً يقبع مدفعان كبيران على هضبة المقطم للعمل بالتناوب خلال شهر رمضان ، وأيام العيد ، بينما لا يزال هناك ثالث يقبع أمام متحف الشرطة في منطقة القلعة ، وقد أنتقلت هذه العادة بإطلاق مدفع رمضان إلى الكثير من محافظات مصر لأنها تضفي البهجة على هذا الشهر الكريم ، ويخصص لكل مدفع مجموعة من صف الضباط الأكفاء حتى لا تتقدم أو تتأخر الأوقات ، بحيث يقوم على خدمة المدفع أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك ، ويكون ذلك تحت إشراف الجهات الأمنية .

لقد أستمر المدفع يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859 ميلادية ولكن إمتداد العمران حول مكان المدفع قرب القلعة ، وظهور جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة غير الحقيقية أدى إلى الإستغناء عن الذخيرة الحية ، كما كانت هناك شكاوى من تأثير الذخيرة الحية على مباني القلعة الشهيرة ، ولذلك تم نقل المدفع من القلعة إلى نقطة الإطفاء في منطقة الدراسة القريبة من الأزهر الشريف ، ثم نُقل مرة ثالثة إلى منطقة البعوث قرب جامعة الأزهر .

في مطلع الثمانينيات قررت السلطات إطلاق المدفع من ” قلعة صلاح الدين الأيوبي ” طوال شهر رمضان في السحور والإفطار، إلا أن هيئة الآثار المصرية طلبت في بداية التسعينيات من وزارة الداخلية وقف إطلاقه من القلعة خوفاً على المنطقة التي تعد متحفاً مفتوحاً للآثار الإسلامية حيث أن المنطقة بها عدة آثار إسلامية هامة ، وحتى الآن يسمع المصريون صوت المدفع عبر الراديو أو عبر شاشات التلفزيون التى تعتبر من تراث وتقليد شهر رمضان في مصر .

وأرتبط بوجدان المصريين على مدى حوالي قرن ونصف القرن ، وأول مدفع تم توظيفه يحظى بمكانة كبيرة خاصة لدى سكان الخليفة والحسين والقلعة وإلى الآن فإن هذه الأحياء وما حولها تسمع إنطلاق المدفع حتى بعد أن تحول مركز إنطلاقه إلى الدراسة ، أما المدفع القديم فما زال جزءاً رئيسياً من متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين على إرتفاع 170 متراً وهو موضوع على قاعدة حديدية تتوسطها عجلة لتحريك ماسورة من الصلب وكان صوته عندما ينطلق يتردد في الأفق لمسافة 10 كيلومترات .

وهكذا أستمر مدفع الإفطار عنصراً أساسياً في حياة المصريين الرمضانية ، حتى أنهم يستمعون إليه يومياً عبر أثير الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري يومياً طوال شهر رمضان .

لقد بدأت فكرة مدفع رمضان في القاهرة عاصمة مصر ، وبعد ذلك بدأت الفكرة تنتشر في أقطار الشام أولاً : القدس ودمشق ومدن الشام الأخرى ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، وبعدها أنتقل إلى مدينة الكويت حيث جاء أول مدفع للكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح ، وذلك عام 1907م ، ثم أنتقل إلى كافة أقطار الخليج قبل بزوغ عصر النفط وكذلك اليمن والسودان وحتى دول غرب أفريقيا مثل تشاد والنيجر ومالي ودول شرق آسيا حيث بدأ مدفع الإفطار عمله في إندونسيا سنة 1944م .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *