الجمعة , 19 أكتوبر 2018 - 10:52 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى
أخبار عاجلة

فانوس رمضان … وأصل كلمة وحوي يا وحوي

بقلم المؤرخ والباحث في علم المصريات د/ أحمد عبد الصبور 

 

يعتبر فانوس رمضان من أهم وأشهر رموز شهر رمضان ، وهو جزء لا يتجزأ من زينة ومظاهر الإحتفال بقدوم الشهر المبارك ، وهنا سوف نقوم بعرض أصل وحكاية فانوس رمضان على مر العصور فقد كان الفانوس في بداية الإسلام يستخدم كوسيلة إنارة يهتدي بها المسلمين عند ذهابهم إلى المساجد في الليل .

وأصل كلمة فانوس يعود إلى اللغة الإغريقية التي تعني أحد وسائل الإضاءة ، كما يطلق على الفانوس في بعض اللغات أسم ” فيناس” ، ويذكر أحد المؤلفين ويدعى ” الفيروز أبادي ” مؤلف كتاب القاموس المحيط إلى أن أصل معنى كلمة فانوس هو ( النمام ) لأنه يظهر صاحبه وسط الظلام .

أما بالنسبة لأصل الفانوس وبداية إستخدامه فيوجد عدة حكايات بهذا الشأن منها أن الخليفة الفاطمي كان دائماً ما يخرج إلى الشارع في ليلة رؤية هلال رمضان لإستطلاع الهلال وكان الأطفال يخرجون معه ، ويحمل كل منهم فانوس ليضيئوا له الطريق وكانوا يتغنون ببعض الأغاني التي تعبر عن فرحتهم بقدوم شهر رمضان .

ورواية أخرى وهي أن أحد الخلفاء الفاطميين أراد أن يجعل كل شوارع القاهرة مضيئة طوال ليالي رمضان فأمر شيوخ المساجد بتعليق فوانيس على كل مسجد وكانت تتم إضاءتها بالشموع .

ورواية أخرى أيضاً بأنه لم يكن يسمح للنساء بالخروج سوى في شهر رمضان فكن يخرجن ويتقدم كل إمرأة غلام يحمل فانوس لينبه الرجال بوجود سيدة في الطريق حتى يبتعدوا مما يتيح للمرأة الإستمتاع بالخروج ولا يراها الرجال في نفس الوقت ، وحتى بعدما أتيح للمرأة الخروج بعد ذلك ظلت هذه العادة متأصلة بالأطفال حيث كانوا يحملون الفوانيس ويطوفون ويغنون بها في الشوارع .

وسواء كانت أي رواية هي الصحيحة فسوف يظل الفانوس عادة رمضانية رائعة تجلب السرور والبهجة على الأطفال والكبار وتحتفي بقدوم شهر رمضان المبارك خصوصاً لدينا في مصر وهي عادة تنتقل من جيل لآخر للكبار والصغار حيث يلهو الأطفال ويلعبون بالفوانيس الصغيرة  ويقوم الكبار بتعليق الفوانيس الكبيرة على المنازل والمحلات .

والجدير بالذكر أن أول من عرف إستخدام الفانوس في رمضان هم المصريون منذ قدوم الخليفة الفاطمي إلى مشارف القاهرة قادماً من الغرب عند صحراء الجيزة ليتخذ القاهرة عاصمة لدولته ، وكان ذلك في اليوم الخامس من شهر رمضان لعام 358 هجرية 968 ميلادية ،  وقد خرج المصريون في مواكب من رجال وأطفال ونساء حاملين المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة لإستقباله مع هتافات الترحيب ، ووافق هذا اليوم دخول شهر رمضان ، ومن يومها صارت الفوانيس من مظاهر الإحتفال بشهر رمضان .

وبهذا تأصلت عادة الفانوس وأصبحت رمزاً رمضانياً ، ثم أنتقلت هذه العادة من مصر إلى معظم الدول العربية وبذلك أصبح فانوس رمضان جزءاً أصيلاً من تقاليد شهر رمضان .

ولقد تطورت صناعة الفانوس على مر العصور من حيث الشكل واللون والتركيب ، حيث كان له شكل المصباح في البداية وكانت تتم إنارته بالشموع ثم أصبح يضاء باللمبات الصغيرة ثم بدأ يتطور حتى أخذ الشكل التقليدي المعروف لنا جميعاً وبعد ذلك أصبح الفانوس يأخذ أشكالاً تحاكي مجريات الأحداث والشخصيات الكرتونية المختلفة المشهورة في الوقت الحاضر.

ومن المؤكد أن فانوس رمضان دائماً ما يكون مصدر بهجة للكبار والصغار ويسبب حالة من الفرح والسعادة لنا جميعاً في إستقبال شهر رمضان .

أما أصل كلمة ” وحوي يا وحوي” فترجع للمصري القديم فكلمة (أيوح) معناها القمر، وكانت الأغنية تحية للقمر، وأصبحت منذ العصر الفاطمي تحية خاصة بهلال شهر رمضان .

 وهناك رأي آخر يقول إن ” وحوي يا وحوي ” أغنية فرعونية والنص الأصلي للأغنية هو ” قاح وي واح وي ، إحع ” وترجمتها باللغة العربية أشرقت أشرقت يا قمر، وتكرار الكلمة في اللغة المصرية القديمة يعني التعجب ، ويمكن ترجمتها أيضاً ” ما أجمل طلعتك يا قمر ” ، وأغنية ” وحوي يا حوي إيوحه ” هي من أغاني الإحتفاء بالقمر والليالي القمرية ، وكان القمر عند الفراعنة يطلق عليه أسم ” إحع “.

ويوجد رأي آخر يعود إلى قصة الملكة العظيمة (إياح حتب) أو (إياحه) كأسم الدلع المشهور في مصر زوجة أمير طيبة ( سقنن رع ) ، في أواخر القرن الثامن عشر قبل الميلاد ، وقد كانت الدولة الفرعونية الوسطى قد تفككت و أحتلها الهكسوس و كانت (إياح حتب) حرضت زوجها على رفع راية العصيان في وجه الغزاه و لكنه مات ، ثم أنطلقت بعده لأبنها الأكبر ” كامس ” ليستكمل مشوار أبيه و لكنه مات أيضاً، و لم تهدأ عزيمة ” إياح حتب ” فدفعت بإبنها الثاني “أحمس” الذي نجح فيما فشل فيه أبوه و أخوه و أنتصر و طرد الهكسوس و حقق الأستقلال .

 

إن إياح، معناها، «قمر».. وحتب معناها «الزمان»، وبالتالي فالسيدة أسمها «قمر الزمان»، أما كلمة وحوي الفرعونية فمعناها : مرحباً أو أهلاً ، وهكذا وتقديراً للتضحيات وللدور البطولي لـ«إياحة» خرج المصريون حاملين المشاعل والمصابيح وهم يهتفون لها : وحوي إياحة أي: مرحباً يا قمر، أو أهلاً يا قمر الزمان ،وهكذا أصبحت وحوي إياحة ، أو أهلاً يا قمر، تعويذة المصريين وشعارهم لإستقبال كل قمر يحبونه وعلي رأسها : قمر رمضان .

 وتلك القصة تعتبر أيضاً تقديراً لدور الأم العظيمة الكريمة التي ضحت بزوجها وأبنها وجعلت الجموع يخرجون ويهللون لها ” وحوي وحوي .. إياحة ” ويعني أسم الملكة الهيروغليفي – كما ذكرنا – ” أياح حتب ” بالعربية ” قمر الزمان ” أو ” واح واح إياح ” والتي تعني تعيش الملكة ” إياح ” فهتف الشعب لها تقديراً للتضحيات التي تحملتها من أجل الوطن ، ومن هنا أصبحت الجملة رمزاً من رموز إستقبال الكرام .

ويوجد رأي آخر وهو عدم إرتباط الأغنية بالملكة ” إياح حتب ” ولكنها ترتبط بقصة أخرى … فقد برعوا الفراعنة في الفلك وصمموا التقويم القمري للشهور وأن الكلمة أصلها مرتبط بظهور القمر ، حيث كان القدماء المصريين ينتظرون ظهور القمر كل شهر .

وكذلك يوجد رأي آخر وهو أن المصريين القدماء كانوا يخرجون للترحيب بالقمر مطلع كل شهر وكانوا يغنون ” وحوي يا وحوي ” مع مطلع كل شهر ، ويقال أيضاً أن عبارة ” وحوي يا وحوي إياحة ” تنتمي للغة القبطية وتعني ” أقتربوا أقتربوا لرؤية الهلال ” وهو أيضاً معنى مرتبط بشهر رمضان .

حتى الآن لا توجد رواية مؤكدة عن سبب أو أصل التسمية ،،، لكن الأكيد أن لفظ ” وحوي ” الفرعوني ، أنتقل عبر الزمن حتى وقتنا هذا .

 

وهنا بعد دخول الفاطميين إلى مصر وإنتشار ظاهرة الفوانيس أصبحت الأغنية مرتبطة بشهر رمضان فقط ، بعد أن ظلت أزمنة مديدة مرتبطة بكل الشهور القمرية .

أن الفانوس تحول من وظيفته الأصلية في الإضاءة ليلًا إلى وظيفة أخرى ترفيهية إبان الدولة الفاطمية ، حيث راح الأطفال يطوفون الشوارع والأزقة حاملين الفوانيس وهم يغنون ويؤرجحون الفوانيس ، ويطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي أبتدعها الفاطميون ، وهناك قصة أخرى حدثت في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي ، وقد كان مُحرَّماً على نساء القاهرة الخروج ليلًاً ، فإذا جاء رمضان سمِحَ لهن بالخروج بشرط أن يتقدّم السيدة أو الفتاة صبي صغير يحمل في يده فانوساً مضاءً ليعلم المارة في الطرقات أنّ إحدى النساء تسير فيُفسحوا لها الطريق ، وبعد ذلك أعتاد الأطفال حمل هذه الفوانيس في شهر رمضان ، وقيل إن ظهور فانوس رمضان أرتبط بالمسحراتي ولم يكن يُقاد في المنازل بل كان يعلَّق في منارة الجامع إعلاناً لحلول وقت السحور، فصاحب هؤلاء الأطفال بفوانيسهم المسحراتي ليلاً لتسحير الناس حتى أصبح الفانوس مرتبطاً بشهر رمضان وألعاب الأطفال وأغانيهم الشهيرة في هذا الشهر ومنها ” وحوي يا وحوي “.

ليست صناعة الفوانيس صناعة موسمية ، ولكنها مستمرة طوال العام حيث يتفنن صناعها في إبتكار أشكال ونماذج مختلفة ، وتخزينها ليتم عرضها للبيع في رمضان الذي يعد موسم رواج هذة الصناعة.

وتعد مدينة القاهرة المصرية من أهم المدن الإسلامية التي تزدهر فيها هذه الصناعة ، وهناك مناطق معينة مثل منطقة تحت الربع المتفرع من ميدان باب الخلق بالقاهرة والقريبة من حي الأزهر.. والغورية.. ومنطقة بركة الفيل بالسيدة زينب من أهم المناطق التي تخصصت في صناعة الفوانيس .

ويعتبر أشهر مناطق صناعة الفوانيس كانت في مصر وأنتقلت فكرة الفانوس المصري إلى أغلب الدول العربية وأصبح جزءاً من تقاليد شهر رمضان ، لاسيما في دمشق وحلب والقدس وغزة وغيرها من العواصم والبلدان العربية .

 

وفى جولة في منطقة تحت الربع تجد أشهـر ورش الصناعة وكذلك أشهر العائلات التي تتوارثها جيلاً بعد جيل ، وتعتبر الفوانيس المصرية عمرها طويل ، وقد شهدت هذه الصناعة تطوراً كبيراً في الآونة الأخيرة ، فبعد أن كان الفانوس عبارة عن علبة من الصفيح توضع بداخلها شمعة ، تم تركيب الزجاج مع الصفيح مع عمل بعض الفتحات التي تجعل الشمعة تستمر في الإشتعال ، ثم بدأت مرحلة أخرى تم فيها تشكيل الصفيح وتلوين الزجاج ووضع بعض النقوش والأشكال ، وكان ذلك يتم يدوياً وتستخدم فيه المخلفات الزجاجية والمعدنية ، وكان الأمر يحتاج إلى مهارة خاصة ويستغرق وقتاً طويلاً .

وتوجد بعض الفوانيس المعقدة من ناحية تصميمها مثل الفانوس المعروف “بالبرلمان “والذي سمى بذلك نسبة إلى فانوس مشابه كان معلقاً في قاعة البرلمان المصري في الثلاثينات من القرن الماضي ، وكذلك الفانوس المسمى ” فاروق” والذي يحمل أسم ملك مصر السابق والذي كان قد صمم خصيصاً لإحتفال القصر الملكي بيوم ميلاده ، وتم شراء ما يزيد على 500 فانوس من هذا النوع يومها لتزيين القصر الملكي .

 

وقد ظلت صناعة الفانوس تتطور عبر الأزمان حتى ظهر الفانوس الكهربائى الذي يعتمد في إضائته على البطارية واللمبة بدلاً من الشمعة ، ولم يقف التطور عند هذا الحد بل غزت الصين مصر ودول العالم الإسلامي بصناعة الفانوس الصينى الذي يضيء ويتكلم ويتحرك بل تحول الأمر إلى ظهور أشكال أخرى غير الفانوس ولكن لا تباع إلا في رمضان تحت أسم ” الفانوس”.

 رحم الله الأيام فقد تغير الفانوس وتبدل وأصبح نادراً ما ترى طفلا يمسك بالفانوس الزجاجى الملون المحتضن للشمعة المضيئة .

 وهنا يطرح السؤال نفسه :

متى ستعود الريادة في صناعة الفوانيس لموطنها الأصلي مصر ؟؟؟!!!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *