الثلاثاء , 12 نوفمبر 2019 - 7:50 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى
أخبار عاجلة

عالم السياسة …

وائل الشهاوي – يكتب

فى عالم السياسة تحدث تحولات كبيرة تغيير من مواقف الدول وردود أفعالها بشكل جذرى، وفيما يتعلق بتوازنات القوة والنفوذ حاليًا هناك مظاهر لشكل جديد من العالم تبدو فيه الولايات المتحدة إحدى القوى الفاعلة لكنها ليست القوة الوحيدة، مثلما كان معلنا فى بداية الألفية، أو حتى ذات تأثير وفاعلية فى التشكيل الثانى لعالم ما بعد الحرب الباردة.
فقد تكونت القوى العظمى فى العالم الحديث مرتين فى النصف الأول من القرن العشرين، مرة بعد الحرب العالمية الأولى، وأخرى بعد الحرب الثانية، فى المرة الأولى كانت الدول الاستعمارية التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا لا تزال لها التاثير الأقوى، وتفرض نفوذها على العالم، لكن الحرب العالمية الثانية أنهت نفوذ الدول الاستعمارية القديمة، وظهر قطبان فاعلان، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، أما السوفييت فكان ظهورهم بدخول برلين وأما الولايات المتحدة فبالقنبلة النووية.

وبدأ سباق الحرب الباردة، عسكريًا وتكنولوجيًا، وحوله تشكلت أحلاف الشرق والغرب، وظل السباق والاستقطاب قائمًا حتى الغزو السوفيتى لأفغانستان، والذى مثل بداية تراجع الاتحاد السوفيتى، واستغلته الولايات المتحدة لتخوض واحدة من أكبر حروب الوكالة.
وعندما غزا العراق الكويت، قادت الولايات المتحدة تحالفًا لتحرير الكويت وتزامن هذا مع بدء تفكك الاتحاد السوفيتى، وتعامل الولايات المتحدة بصفتها القطب الأوحد ورئيس العالم.
لم تحتج أمريكا لجهد كبير من أجل أن تجمع حلفاءها الأوربيين فى حرب على أفغانستان وغزو ضمن أعلى وأقوى مراحلها بعد الحرب الباردة، لكن الغزو أتاح فرصة لاتساع الإرهاب كما أخل بتوازن القوى الإقليمى.
واصلت الولايات المتحدة تدخلاتها مع أوباما، وتم سحب قوات أمريكية من العراق، لكن أيضًا كانت السياسات الأمريكية تتراجع لصالح فوضى متعددة الأوجه.
وظهر حجم التحول مع دونالد ترامب، وتجسد أكثر فى تشكيل القوى الدولية، الولايات المتحدة التى قادت تيار العولمة وحرية التجارة اعترضت على اختلال الميزان مع الصين، واتهمت واشنطن بكين بخرق قواعد التجارة الدولية، بل إن الولايات المتحدة سعت لمواجهة مع حلفاء تقليديين، وفرضت رسومًا على وارداتها من بعض دول أوروبا، تزامنت مع اتهامات أمريكية لروسيا بالتدخل فى الانتخابات الأمريكية.

صعدت موسكو قوة دولية ذات نفوذ معنوى فاعل ومادى من خلال تحركات إقليمية فى سوريا وإيران وتجاه القضايا الدولية بدت فيها أكثر قدرة على المبادرة بينما تراجع الدور الأمريكى خطوات، خاصة مع إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن سحب قوات أمريكية وتقليل التدخل فى مناطق النزاعات، بينما موسكو توسع دورها الدبلوماسى والسياسى فى الصراعات الإقليمية والدولية فى سوريا وليبيا وتلتزم بنهج واضح فى التوتر مع إيران.
وحتى العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، أصابتها الكثير من الشروخ ما قبل ترامب، بعد الكشف عن تجسس أمريكى على الحلفاء أثناء رئاسة أوباما، ومع ترامب تراجع الحماس الأوروبى للمغامرات الأمريكية. وهو ما تجسد أكثر فى الموقف من إيران، كاشفًا عن حجم التحول فى مواقف أوروبا تجاه النوايا الأمريكية.
فكما قلت فى السابق جيشت الولايات المتحدة أوروبا خلفها فى غزو العراق، أما اليوم فحتى بريطانيا أقرب حلفاء أمريكا وشريكها فى كل المغامرات السابقة تحاول حفر مسار خاص بها مع إيران لايقود للحرب، وهو نفس مواقف ألمانيا وأوروبا عموما ومعها الصين وروسيا.
أما الاتحاد الأوروبى نفسه والذى بدأ فكرته عام ١٩٥٥ وتشكل فعليا بدابة التسعينيات، يواجه هو الآخر اختبارات بدأت بتصويت بريطانى على الخروج من الاتحاد ويواجه دعاوى يمينية بالخروج، وتستعد بريطانيا لمغادرة الاتحاد نهاية أكتوبر المقبل فيما يعنى شكلًا جديدًا من عالم ما بعد الحرب الباردة والعولمة، حيث تجرى التحولات بسرعة كاشفة عن تحالفات أخرى وتكتلات جغرافية تحكمها المصالح.

كل هذا يبدو وكأنه إعادة تشكيل لعالم ما بعد الحرب الباردة وانتهاء قطبية الولايات المتحدة، مع ظهور أطراف متعددة اقتصادية وسياسية بما يعنى بداية عالم جديد يختلف عن عالم بداية الألفية، وبلا شك فإن الأمر لا يتعلق فقط بمجىء دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، ولكن بتداعيات أحداث جرت قبل عقد أو اثنين، وبالرغم من أن الولايات المتحدة تظل صاحبة أكبر قوة عسكرية وأكبر اقتصاد لكن النفوذ الدولى السابق للولايات المتحدة توزع بين أطراف أخرى انتزعت لنفسها مساحات من التأثير على مدى سنوات، وبعدما كانت تستطيع تحريك القرارات والتحركات الدولية تجاه سياسات التدخل والغزو، اليوم تقف الولايات المتحدة مع ترامب مترددة تجاه إيران، وعلى الرغم من أنه سارع بإلغاء الاتفاق النووى معها ودفع نحو التصعيد ووجه تهديدات وتحركت قطع بحرية وحاملات طائرات، ردت إيران على التهديدات بتهديدات أخرى وواصلت طهران التصعيد، وأعادت العمل فى مفاعل آراك واستندت إلى إلغاء الاتفاق، وبدأت تتحرك نحو تخصيب المزيد من اليورانيوم ولم تتجاوز مواقف الرئيس الأمريكى ترامب الدعوة للتفاوض مرة أخرى، حيث بدا بلا خطة تجاه الوضع، وعاد لينشغل بالانتخابات المقبل، وفى نفس الوقت فقد اشتبك ترامب فى أكثر من ملف، منها الحرب التجارية مع الصين، وشروخ العلاقة مع الحلفاء الأوربيين.
تأثير روسيا والصين فى الواقع الدولى أكبر مما كان فى أى فترات سابقة، ولدى كل منهما مصالح، والحلفاء التقليديون فى أوروبا ليسوا على استعداد لدعم مغامرات تقود لحرب جديدة، ثم إن أوروبا مشغولة اليوم بالخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى، والبريطانيون، الحليف التقليدى للولايات المتحدة مشغولون بالترتيب لـ«بريكست»، ربما يجرى بدون اتفاق مع الاتحاد الأوروبى، بما لذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية ليس فقط على بريطانيا، ولكن أيضًا على علاقة بريطانيا مع أيرلندا الباقية داخل الاتحاد، خاصة مع شروخ فى علاقة بريطانيا بالولايات المتحدة على خلفية التوترات بين الجانبين فى أعقاب تسريب مذكرات السفير البريطانى السابق لدى واشنطن كيم داروش التى وصف فيها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه شخص غير مستقر «يفتقر إلى الكفاءة والأهلية»، وفى أعقاب ذلك ألغت الولايات المتحدة المحادثات التجارية المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «بريكست»، والتى كان من المقرر إجراؤها بين وزير التجارة البريطانى ونظيره الأمريكى، وسط تصاعد كل يوم يمر تقترب بريطانيا من إنهاء خروجها من الاتحاد الأوروبى، وحتى عندما احتجزت طهران ناقلة بريطانية فى مضيق هرمز، بدا رد الفعل الأمريكى باردًا تجاه حليف تقليدى، الأمر الذى دفع بعض المعلقين البريطانيين لاعتبار بريطانيا ضحية للسير فى الركاب الأمريكى فيما يتعلق بالموقف من إيران وقال الكاتب البريطانى سيمون تيسدال، إن بريطانيا تدفع ثمن محاولة أمريكا لترويض طهران، ولم يهتم صقور البيت الأبيض بمن قد يتعرض للأذى، حتى وإن كان هذا الضرر الجانبى يشمل حليفًا وثيقًا مثل بريطانيا، وغرقت بريطانيا فى أزمة دولية غير مستعدة للتعامل معها، وهى على شفا خروج غير منظم من الاتحاد الأوروبى ما يعزل أقرب شركائها الأوروبيين، كما أن علاقتها بأمريكا فى عهد ترامب متوترة بشكل فريد.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تسير اليوم على نهج بريطانيا فى حقبة الخمسينيات وهى مرحلة أفول لنجم متوهج على مدار عقود سابقة.

 

المصدر:البوابة

 

حفظ الله مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *