الأحد , 15 سبتمبر 2019 - 6:53 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

صراع الغاز «3»

وائل الشهاوي – يكتب
توقفنا فى المقال السابق عند وجود مؤشرات إما بتراجع النفوذ الأمريكى أو صدامًا يُهيَّأ له فى أحد جوانبه بالتضافر مع اعتبارات الدرع الصاروخية لتأسيس نظام عالمى جديد يكون (الغاز) فى صلب عوامل تشكيله.

فبالنظر إلى خط الغاز الذى ترعاه أمريكا نجد أن نابوكو صممت لنقل الغاز من تركيا إلى النمسا عبر ٣٩٠٠ كم ولتمرير ٣١ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى سنويًا من منطقة (الشرق الأوسط) وقزوين إلى الأسواق فى أوروبا. ولعل اللهاث الأمريكى – الفرنسى وراء حسم الأمور فى منطقة شرق المتوسط وتحديدًا سوريا ولبنان يكمن فى ضرورة تأمين أوضاع هادئة وموالية لاستثمار ونقل الغاز وهو ما ردت عليه سوريا بتوقيع عقد لتمرير الغاز من إيران إلى سوريا عبر العراق، وهو الغاز اللبنانى والسورى محور الصراع من أجل إما إلحاق هذا الاحتياطى بغاز نابوكو أو بغاز بروم وبالتالى السيل الجنوبي.

يتألف اتحاد شركة غاز نابوكو من شركة (RWE) الألمانية و(OMV) النمساوية وبوتكس التركية وبلغاريا القابضة للطاقة البلغارية وشركة ترانزغاز الرومانية.
التكاليف الأولية لهذا المشروع المنافس لغاز بروم، والتى قدرت قبل خمس سنوات بـ ١١.٢ مليار دولار وستحقق أسعار غاز أقل من المشروع الروسي، سترتفع بسبب التأخير فى التنفيذ إلى ٢١.٤ مليار دولار مما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح هذا المشروع الاقتصادى خصوصًا مع استنفاد شركة غاز بروم عقد الصفقات فى أكثر من مكان لتطويق نابوكو التى ستقام على القدرة الفائضة للغاز من تركمانستان، خصوصًا وأن اللهاث الرئيسى الضائع الأثر وراء غاز إيران يُبعد حلم نابوكو عن أن يكون ذا قيمة واقعية.

وهكذا، لا يعود لنابوكو من خيار إلا إمدادات حقل شاه دنيز الأذربيجانى الذى سيكون المصدر شبه اليتيم لمشروع يبدو أنه متعثر منذ البداية من خلال تسارع صفقات ونجاحات موسكو فى شراء مصادر نابوكو من ناحية، والصعوبة فى إحراز تغيرات جيوسياسية فى كل من إيران وشرق المتوسط (سوريا ولبنان) فى وقت سارعت فيه تركيا لحجز حصتها فى مشروع نابوكو سواء بتوقيعها عقدًا مع أذربيجان لشراء ستة مليارات متر مكعب من الغاز عام ٢٠١٧ أو بالسعى لوضع اليد على سوريا ولبنان وإما لعرقلة مرور النفط الإيرانى أو لنيل حصة فى الثروة الغازية اللبنانية أو السورية أو لكليهما معًا. فيما يبدو السباق ضاريًا على حجز مقعد فى النظام الدولى الجديد.. عبر الغاز وأشياء أخرى تمتد من الخدمات العسكرية الصغيرة إلى القبب الاستراتيجية للدرع الصاروخية.

ولعل أكثر ما يشكل خطرًا على نابوكو هو أن تقوم روسيا بقتل ودفن الأخير من خلال التفاوض على عقود أكثر أفضلية وتنافسية لإمدادات الغاز لتصب فى غاز بروم بسيليها الشمالى والجنوبى وقطع الطرق عن أى نفوذ (طاقي) وسياسى لأمريكا أو أوروبا فى كل من إيران وشرق المتوسط، فضلًا عن أن تكون غاز بروم من أهم مستثمرى أو مشغلى حقول الغاز حديثة العهد فى كل من سوريا ولبنان، إذ لم يكن اختيار التوقيت فى ١/٨/٢٠١١ عابرًا كى تعلن وزارة النفط السورية عن اكتشاف بئر غاز فى منطقة وسط سوريا وقرب حمص بما يحقق إنتاجية بقدرة ٤٠٠ ألف متر مكعب يوميًا أى ما يعادل ١٤٦ مليون متر مكعب سنويًا دون أى حديث عن غاز البحر المتوسط.

لقد خفف مشروعا السيل الشمالى والجنوبى من أهمية السياسة الأمريكية التى بدا أنها تتراجع إلى الخلف فيما تراجعت آثار الكُره الكامنة بين دول أوروبا الوسطى وروسيا، إلا أن بولندا لا يبدو أنها ستخرج من اللعبة سريعًا. ولا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للتراجع، إذ إنها أعلنت فى أواخر أكتوبر ٢٠١١ عن التحول المتمثل فى سياسات الطاقة بسبب اكتشاف مناجم الغاز الحجرى فى أوروبا لتقليل الاعتماد على روسيا والشرق الأوسط. ولكن يبدو أن هذا أمل بعيد المنال أو المدى إذ ثمة العديد من الإجراءات قبل الوصول إلى الإنتاج التجارى من مصادر غير تقليدية كمناجم الغاز الحجرى الموجود فى الصخور على عمق آلاف الأقدام تحت الأرض ويمكن الحصول عليه بكسر الصخور واستخدام مياه عالية الضغط بالتكسير الهيدروليكى بضخ عالى الضغط للسوائل والرمال فى بئر لإطلاق الغاز. ولكن السؤال يطرح نفسه بالمخاوف البيئية من تأثير تقنيات التكسير على المخزون الجوفى ذاته.
على الجانب الآخر يشكل التعاون الروسى – الصينى فى مجال الطاقة القوة الموجهة للشراكة الاستراتيجية الصينية – الروسية.

إن التعاون فى مجال الطاقة هو أساس تسريع الشراكة بين العملاقين والأمر يتعدى إمداد الغاز بأفضليات للصين إلى المشاركة فى توزيعه عبر (بيع الأصول والمنشآت الجديدة) ومحاولات السيطرة المشتركة على الإدارات التنفيذية لشبكات توزيع الغاز حيث تقدم موسكو حاليًا عرضًا بالمرونة فى أسعار إمدادات الغاز شريطة أن يسمح لها بالدخول إلى الأسواق الصينية المحلية لأن الأرباح تكمن فى الداخل الصيني. ولهذا تم الاتفاق على أن الخبراء الروس والصينيين يستطيعون العمل معا فى الاتجاهات التالية:

«تنسيق استراتيجيات الطاقة فى البلدين والتنبؤ ورسم السيناريوهات المستقبلية وتنمية البنية التحتية للسوق وفعالية الطاقة ومصادر الطاقة البديلة». وفضلًا عن التعاون فى الطاقة هناك مصالح استراتيجية أخرى تتمثل فى التصور المشترك الروسى – الصينى فى مخاطر المشروع الأمريكى المسمى بالدرع الصاروخية حيث إن واشنطن تشرك اليابان وكوريا الجنوبية فى ذلك المشروع. ولا تكتفى بذلك بل إنها وجهت دعوة إلى الهند فى أوائل شهر سبتمبر ٢٠١١ من أجل أن تصبح الهند شريكًا فى البرنامج نفسه. كما تتقاطع مخاوف موسكو وبكين من تحرك واشنطن لإعادة إحياء استراتيجية آسيا الوسطى المدعو (طريق الحرير) وهو نفس توجه مشروع آسيا الوسطى الكبير الذى طرحه جورج بوش الأب لدحر النفوذ الروسى والصينى فى آسيا الوسطى بالتعاون مع تركيا لحسم الموقف فى أفغانستان عام ٢٠١٤ وترتيب نفوذ الناتو هناك والإشارات المتزايدة لرغبة أوزبكستان للقيام بدور المضيف للناتو فى هذا المشروع. وهنا يقدر بوتين بأن ما يمكن أن يحبط غزو الغرب بشكل أساسى للساحة الخلفية الروسية لآسيا الوسطى هو اتساع الفضاء الاقتصادى الروسى المشترك مع كازاخستان وبيلاروسيا بالتعاون مع بكين بالنسبة لكازاخستان.

هذه الصورة لآليات الصراع الدولى تفسح المجال أمام رؤية جانب من عملية تشكيل النظام العالمى الجديد على أرضية الصراع على النفوذ العسكرى وعلى أرضية (القبض) على روح العصر-الطاقة – وعلى رأسها الغاز، ومما لا شك فيه أن مصر وحتى الآن استطاعت أن تدير ملف الغاز بشكل احترافى عالى المستوى وخاصة بعد نجاحها فى تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط والذى يشارك فيه ٧ من دول المنطقة واختيار القاهرة مقرا له حيث تعتبر هذه الخطوة الكبرى حسمًا للتنافس بين جيران كنز الغاز الطبيعى الأكبر فى العالم بمنطقة شرقى البحر المتوسط وكذلك خطوة محورية فى تحقيق حلم مصر فى التحول إلى مركز إقليمى لتجارة الغاز الطبيعى.

نصر الله مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *