السبت , 23 يونيو 2018 - 9:43 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى
أخبار عاجلة

سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في عصر بناة الأهرام في عصر العبقرية والذكاء

بقلم المؤرخ والباحث في علم المصريات د/ أحمد عبد الصبور

سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في عصر بناة الأهرام في عصر العبقرية والذكاء

كثير من الناس لا يعرفون عن حضارتهم المصرية التي أبهرت وأدهشت العالم بأجمعه سوى القليل والقليل ، فكذلك لا يعرف الكثيرون سوى هضبة أهرامات الجيزة التي بها الأهرامات الثلاث الشهيرة ( هرم خوفو ، هرم خفرع ، هرم منقرع ) وذلك لأنها تعد من أشهر الأماكن السياحية والأثرية في العالم وأكثرها روعة وتشويقاً ، وربما يعرفون أيضاً هرم سقارة المدرج لشهرته ، ولكن لا يعلمون أن مصر بها 112 هرم ، لقد كتب الكثير عن الأهرامات بصفتها أحد أهم عجائب الدنيا السبع ، وأحد أهم ألغاز التاريخ القديم والحديث ، فقد كانت كل التفسيرات عن الأهرامات إنها مقابر فخمه ضخمه بناها الملوك ولكن من يذهب إلى الهرم الأكبر مثلاً ويقف أمامه ويفكر .. أهناك عقل يفكر ببناء مثل هذا البناء الضخم الغريب .. في هذا الزمن الغابر لمجرد مقبرة ؟؟؟!!! حتي ولو مقبرة ملك ….!!!

الهرم الأكبر بناء إرتفاعه 148 متراً ومساحة قاعدته 13 فداناً ويبلغ طول كل ضلع من أضلاع قاعدته نحو 230 متراً ، وتبلغ كمية الحجارة التي أستخدمت في بنائه نحو 2300000 قطعة حجرية تزن في مجموعها نحو 5500000 طن تقريباً ! ! ! فدائماً هنا يطرح السؤال نفسه :

 كيف رفعوا الأحجار إلي هذه الإرتفاعات ؟؟؟!!!

وهنا نتحدث عن فرعون مصر ” سنفرو ” مؤسس الأسرة الرابعة ( عصر بناة الأهرامات ) والد الفرعون خوفو صاحب أشهر وأكبر هرم عرف على مر التاريخ ، ربما لا يعرف الكثيرون أن الفضل في بناء الهرم الأكبر يعود لعصر الفرعون سنفرو ، فقد أستلم الفرعون خوفو البلاد من والده الفرعون سنفرو القوي في أفضل ظروف سياسية وإقتصادية لمصر آنذاك في هذا التوقيت ، فقد شيد الفرعون سنفرو لنفسه ثلاثة أهرامات هم ( هرم ميدوم وهرم سنفرو والهرم الأحمر ) الأول هرم ميدوم الذي يعتبر مرحلة إنتقالية بين الهرم المدرج والهرم الحقيقى , ثم هرمين بدهشور وهما الهرم المائل – أو المنكسر – والهرم الأحمر ، فيعتبر الهرم الأحمر أفضل نموذج كان تمهيداً لبناء الهرم الأكبر ، فأخذ المهندسون والبنائون الخبرة الكافية من الهرم الأحمر لبداية عصر جديد أبهر وأدهش العالم بأكمله ، وبالتالي ترتب على ذلك تمهيداً لبناء الهرم الأكبر الذي أستغرق بنائه 20 عاماً ، فنستطيع أن نقول أن الفرعون خوفو أستلم من والده الفرعون سنفرو بلد قوي بإقتصاد قوي وظروف سياسية قوية بشعب قوي مع خبرات مهندسون وبنائون والده ليبدأ مرحلة جديدة وقوية ويخرج لنا بأكبر وأشهر هرم عرف على مر التاريخ .  

فدائماً ما نتذكر المقولة الشهيرة التي تصف الأهرامات وعظمتها :

” كل شىء يخشى الزمن ولكن الزمن يخشى الأهرامات ”

هكذا سطر الفراعنة العظماء تاريخهم المجيد وأبنيتهم ومعابدهم وأهراماتهم الضخمة التى باتت حتى الآن لغزاً يحير العالم أجمع ، فبداية هذة الحضارة ترجع إلى آلاف السنين عبر الزمن البعيد حيث الملوك العظماء الذين خلدوا ذكراهم وتاريخهم العريق ليكون خالد وشاهد فريداً على حضارتهم وآثارهم ، فهيا بنا نغوص في رحلة عبر الزمن في عصر من العصور الشيقة والمثيرة للإعجاب والدهشة لنتعرف على الملك ” سنفرو ” مؤسس الأسرة الرابعة في عصر بناء الأهرامات .

سنفرو Sneferu ، المعروف بأسم ساويرس باليونانية (وفقاً لمانيتون) ووفقاً لما سماه الأغريق القدماء ، فهو ملك مصر ومؤسس الأسرة الرابعة خلال عصر الدولة القديمة ، تختلف تقديرات مدة حكمه بين 24 سنة و48 سنة ، تميز عهده بالتوسع في التجارة الخارجية ، وإرسال الحملات التأديبية ، وحملات التعدين ، توصل مع مهندسه ومستشاره ” إمحتب ” إلى الشكل الكامل للهرم ، حيث قام ببناء ثلاثة أهرامات باقية ليومنا هذا ، ويمكن زيارتها في دهشور ، و خوفو أبنه حكم من 2613 ق.م  لـ2589 ق.م  وأسمه ( سنفر ) يعني ( صانع الجمال ) .

تزوج ” سنفرو ” من ” حتب حرس ” التي يعتقد أنها كانت أبنة الفرعون السابق له “هوني” وحماه ، ربما يكون والده حسب بعض الروايات والنظريات وآراء الباحثين وكذلك حسب نظرية “دي بان” فإن ” هوني ” أنجب حتب حرس من زوجة ملكية بينما أن سنفرو أنجب من جارية ، ولكي يعتلي العرش تزوج من حتب حرس التي أتت من دماء ملكية نقية خالصة ، حيث كان نظام وراثة الحكم إذا إنقطع نسل الذكور من الأسرة المالكة فإن الملك الجديد لابد أن يتزوج من إحدي بنات البيت الملكي السابق حتي يجري الدم الملكي الفرعوني في عروق أبناءه كما فعل سنفرو مع ابنة الملك ” هوني ” أو ” حوني “.

وقيل عنه أيضاً لقب (الملك المحسن المحبوب) لأنه حكم 24 عام فى سلام وحق .

أغلب الظن أن إنتقال الحكم إلى الأسرة الرابعة كان إنتقالاً سلمياً ، فقد تزوج سنفرو (أبن الملك حوني من زوجة فرعية) صاحبة الحق في وراثة العرش وأسس الأسرة الرابعة ، وهو ما أكدته المصادر الأدبية إذ ذكر أحد أدباء الدولة الوسطي في نصوصه: ” وبعد أن توفي جلالة الملك حوني نصب جلالة الملك سنفرو بإعتباره ملكاً فاضلاً في هذه الدنيا كلها “.

من هو الملك سنفرو ؟ سنفرو هو الأسم المختصر من “بتاح سنفروي”، أي “بتاح جملني”.

وقد حكم سنفرو طبقاً لما جاء في تاريخ مانيتون 26 عاماً ، وذكرت بردية تورين 24 عاماً ، ويحسب عالم الآثار الألماني “ستادلمان” أنه حكم 48 سنة وذلك على أساس أنه في فترة حكم سنفرو قد أجريت 24 أحصاءاً في مصر ، وفي العادة كان الإحصاء يتم كل سنتين ، من هنا يعتقد ” ستادلمان ” في أن فترة حكم سنفرو بلغت 48 عاماً .

ونعرف الكثير عن أخبار سنفرو من خلال حجر باليرمو منها أنه أقام عدداً كبيراً من القصور والمعابد ، وأن الملكة “مرس – عنخ” هي أم سنفرو ، ويرجح أنها كانت إحدى زوجات الملك حوني الثانويات ، وأن سنفرو أستحق وراثة العرش عن طريق زواجه بالأميرة “حتب – حرس” ابنة حوني التي حملت لقب “أبنة الإله” وأن زواجهما تم قبل وفاة حوني آخر ملوك الأسرة .

يعتبر أنه جمع بين القوة والرحمة ، فحكم وقاد بلاده وشعبه إلى حياة أفضل يظللها الأمن والسلام ، كما أنتعش في عهده الإقتصاد بفضل تشجيعه لإقامة علاقات تجارية مع فينيقيا (لبنان اليوم) وأحسن في إستخدام موارد بلاده .

كان يرسل أساطيل بحرية بصفة خاصة إلى ميناء جبيل (بلبنان حالياً) للتبادل التجاري ، ومن ضمن تلك البعثات التجارية أرسل أسطولاً كبيراً مكوناً من أربعين سفينة لإحضار أخشاب الأرز “الصنوبر” ، وبحسب ما جاء في حجر بالرمو أستخدمت تلك الأخشاب في صناعة الأبواب وبعض الأجزاء الداخلية من أهرامات الملك ، كما أستخدمت في صناعة السفن ، ذكر أيضاً حجر بالرمو خبر تشييد ستين سفينة لكل منها ستة عشر مجدافاً .

أهتم الفرعون سنفرو بتأمين الحدود ، فقام بحملة إلي بلاد النوبة ليعيد الأمن والطمأنينة إلي حدود مصر الجنوبية ، و ورد ذكر هذه الحملة على الوجه الثاني من حجر بالرمو ، ومن خلال الأرقام يتضح لنا مدى المقاومة التي واجهها الملك سنفرو هناك ، وقد عاد جيشه بـ 7000 آلاف من الأسري و200 ألف رأس من الثيران والأغنام .

وقد أطلق الملك سنفرو أسم ” نحسيو” على السودانيين ، وكان المقصود بهذه التسمية كل القبائل التي تسكن جنوبي الحدود المصرية ، كما كانت تلك المناطق تسمى “نوب” حيث كان يستخرج منها ال “نوب” وهو الذهب باللغة المصرية القديمة  ( ومنها جاءت التسمية الحديثة بالعربية حيث تسمى تلك المناطق “النوبة” )

كما كان من ضمن نشاطه العسكري أنه قام بإرسال حملات تأديبية لبدو سيناء ، الذين كانوا يغيرون على مناجم الفيروز و النحاس وقوافل التجارة ، وقد عثر علي نقش له علي صخور جبل المغارة تمثل الملك سنفرو وهو يؤدب الأسرى ، كما أستحق أن يمجد كحامياً للمنطقة إلي جانب المعبودين حتحور و سوبد .

وأرسل حملة أخرى إلى ليبيا وأتى منها بـ 11 ألف أسير و13 ألف رأس من الثيران والأغنام .

ظهرت وظيفة الوزير لأول مرة في عهده ، ويعتبر أول وسيط في الحضارة المصرية القديمة هو ( نفر – ماعت ) الذي حمل لقب أبن الملك ، ومقبرته بميدوم وكان يلعب دور الوسيط بين الشعب والملك .

ومن ضمن آثار الملك سنفرو وجدت قائمة كاملة لأغلب الأقاليم المصرية في ذلك الوقت فيما تعتبر أول وثيقة لتقسيمات مصر الإدارية في عصر يرجع إلي أكثر من 2500 سنة قبل الميلاد .

لقد أعتبر الملك ” سنفرو ” من الملوك العظام وقد قدسته الأجيال كأحد الملوك البارزين .

ويبدو أن الملك ” سنفرو ” كان ملكاً جاداً لأن ” سليم حسن ” كتب عنه ما يلي بالحرف الواحد :

( وكانت مصر في عهد هذا الفرعون مملكة متحدة ثابتة الأركان وعندما يتنقل في أرجاء قصره أو خارجه كان لزاماً علي رعيته أن يركعوا أمام جلالته ويقبلوا التراب الذي تحت قدميه ) علي حد تعبير ” سليم حسن ” .

وبعد وفاته كان القبر الذي يضم رفاته موضع تقديس وكانت حاشيته وعظماء البلاد في عهده تدفن حول قبره أو بالقرب منه حتي يقدموا له خدماتهم في الدار الآخرة بنفس الولاء والإخلاص .

( نقلاً عن موسوعة سليم حسن – مصر القديمة – الجزء الأول ، وكتاب هؤلاء حكموا مصر – حمدي عثمان  )

وكان من أهم آثار الملك سنفرو أنه أكمل هرم الملك حوني في ميدوم بالفيوم ( كما يعتقد بعض الباحثين ، إلا أنه أختلف البعض مؤكدين أنه هرم خاص بالملك سنفرو ) وشيد لنفسه هرمين في دهشور ، الأول يسمي الهرم المنكسر الأضلاع ويبلغ إرتفاعه 101.15 متر ويبدو أنه الحلقة التالية لتقدم فكرة بناء المقبرة الملكية بعد المصطبة المدرجة الخاصة بالملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة ، والهرم المنكسر عبارة عن قاعدة ضخمة عالية بنيت جوانبها بزاوية 54.14 درجة وفوق هذه القاعدة بني القسم الثاني بزاوية قدرها 43.21 درجة ونتج عن تغيير الزاوية ذلك الهرم المنكسر الأضلاع ، أما طول ضلع قاعدته المربعة فهو 188.6 متراً ، ويمتاز هذا الهرم عن جميع أهرام مصر بأن له مدخلين ، مدخل في الجهة الشمالية والآخر في الواجهة الغربية ، كما يمتاز أيضاً بأن الكساء الخارجي له لا يزال علي حالته الأولي ، وإلي الشمال من هذا الهرم علي بعد لا يقل عن 2 كم نجد الهرم الثاني لسنفرو والذي يعتبر أول هرم حقيقي في تاريخ العمارة المصرية ويبلغ إرتفاعه حوالي 99 متر وطول ضلع قاعدته حوالي 220 متراً ، وهو يعتبر النموذج المثالي لعصر جديد لبناة الأهرام ، وهو النموذج الذي بدوره كان دافع لبناء الهرم الأكبر هرم ” خوفو ” أبن الملك ” سنفرو ” بتلك الروعة والجمال التي أثرت في العالم أجمع ، لذلك يعد الملك ” سنفرو ” من أعظم من حكموا مصر ومؤسس قوي للأسرة الرابعة ( عصر الدولة القديمة ، عصر بناة الأهرام ) العصر الذي أمتاز بالنهضة في مختلف كل العلوم عامة والمعمار خاصة ، فأبهر كل العالم بالذكاء والعبقرية للحضارة المصرية القديمة .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *