الثلاثاء , 24 نوفمبر 2020 - 9:26 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

حروب الجيل الرابع والخامس أساسها الحرب النفسية وإستراتيجيتها إحتلال العقول لا الأرض

د. أحمد عبد الصبور

لم تعد الحرب في الوقت الراهن مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات ، فهناك تطور كبير في شكل الحروب على مدار القرون الماضية ، فنحن الآن نعيش في عصر مختلف تماماً عن كل ما سبق وأصبحنا نعيش فيما يسمى بحروب الجيل الرابع وحروب الجيل الخامس …

أن حروب الجيل الرابع والخامس تنتهجها القوى العظمى كإستراتيجية لإسقاط الحكومات والدول والنظم في العالم ، دون الدخول في الحروب العسكرية التقليدية .

أن حروب الجيل الرابع والخامس تختلف عن سابقاتها من الحروب بسبب طبيعتها كحروب شبكية ، إذ لا يوجد فيها مركز ثقل يعكس الهيكل المؤسسي للأطراف التي تخوض الصراع ويرتبط بهذا الملمح غياب القيادة لأن قادتها ” أفراد يعملون بصورة لا مركزية ” ، كما توصف بأنها حروب ” بلا قيود ” حيث لا توجد فيها محظورات ، وإنما باتت خليطاً من توظيف جميع الأدوات المتاحة التقليدية وغير التقليدية .

فقد أختلف المفهوم المتعارف عليه للحروب التقليدية في يومنا هذا – وهو ما يتضح لنا في حروب الجيل الرابع والخامس – لقد كانت الحرب تعرف بأنها نزاع مسلح تبادلي بين دولتين أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة ، حيث الهدف منها هو إعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي ، حيث تعد الحرب تفاعلاً بين اثنين أو أكثر من القوى المتعارضة والتي لديها ” صراع في الرغبات ”  ويستخدم هذا المصطلح أيضاً كرمز للصراع غير العسكري ، مثل الحرب الطبقية .

 

لا تُعد الحرب بالضرورة إحتلالاً أو قتلاً أو إبادة جماعية بسبب طبيعة المعاملة بالمثل كنتيجة للعنف ، أو الطبيعة المنظمة للوحدات المتورطة .

كما توجد أشكال أخرى للحروب مثل :-

الحرب الأهلية : فهي حرب بين الفصائل لمواطني بلد واحد ( كما هو الحال في الحرب الأهلية الأمريكية ) ، أو بشكل آخر هي نزاع بين دولتين تم إنشاؤهما من أصل واحد ومتحد سابقاً .

الحرب بالوكالة : فهي حرب تنتج عندما تستعين قوتان بأطراف ثالثة كبدائل لقتال بعضهم البعض بشكل مباشر .

وللحرب كيانها الثقافي وممارستها ليست مرتبطة بنوع وحيد من التنظيم السياسي أو المجتمعي ، فإن الحرب هي ظاهرة عالمية ، وشكلها ونطاقها يحددها المجتمع الذي يقوم بها .

تمتد سير الحرب على طول سلسلة متصلة من الحروب القبلية شبه العالمية والتي بدأت قبل التاريخ المسجل للإنسان ، ثم إلى حروب بين المدن أو الأمم أو الإمبراطوريات .

إن الحروب التقليدية المعروفة في بدايتها بحروب الجيل الأول … وهي الحروب التي كانت تمارس منذ بدء الخليقة بإستخدام السيوف والسهام والعجلات الحربية ، إعتماداً على حشد كبير من المقاتلين الأشداء ، وهي المعارك المخلدة على جدران المعابد الفرعونية ، وفيها يقود الملك الفرعوني جيشه من فوق عجلته الحربية حتى طرد الأعداء من على حدود البلاد … وتلا ذلك حروب الإمبراطورية الرومانية ، والإسكندر الأكبر ، التي أنتهجت ذات الأسلوب والمفهوم .

ومع ظهور البارود وإختراع البندقية والمدافع ، بدأت حروب الجيل الثاني المعتمدة على قوة النيران الجديدة بإستخدام البارود ، وكانت أهمها معارك ” نابليون بونابرت ” القائمة على نفس فكر الحشود القديمة ، يضاف إليهم جنود المشاة بالبنادق ومن خلفهم المدفعية .

تطور الأمر والفكر لحروب الجيل الثالث مع بداية الحرب العالمية الأولى بظهور الدبابات والمدرعات والطائرات المقاتلة ، إضافة لظهور المدمرات والبوارج والغواصات ، ليصبح الشكل الجديد للمعارك ما يطلق عليها معارك الأسلحة المشتركة الحديثة التي تشارك فيها القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوى والقوات الخاصة ، وهو ما طاله التطوير والإبتكار عبر السنوات بإستخدام التكنولوجيا الحديثة .

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وإستخدام القنبلة الذرية ضد اليابان في ناجازاكي وهيروشيما ، أصبح العالم في إطار حرب الجيل الثالث يقسم الحروب إلى حروب تقليدية وحروب نووية ، حتى بداية حرب فيتنام في نوفمبر 1955م ، التي حاربت فيها الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 9 سنوات ونصف السنة تقريباً ، وأنتهت الحرب بإنتصار فيتنام الشمالية ، وإنسحاب القوات الأمريكية ، بعد سقوط سايجون في 30 أبريل 1975م ، تكبدت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب أكبر خسائر بشرية في تاريخها ، إذ فقدت نحو 58 ألف جندي قتيل ، فضلاً عما يزيد على 1600جندي في عداد المفقودين … وأمام هذة الخسائر بدأ البنتاجون التفكير في بدائل للتدخل العسكري في مختلف دول العالم ، متجنباً الخسائر بين صفوف جنوده وضباطه ، فظهر أسلوب جديد يعرف بإسم الحرب بالوكالة .

ومع ظهور مشكلة أفغانستان الناتجة عن الإنقلاب العسكري على الملك ” ظهر شاه ” وصعود النظام الشيوعي بها الذي وقع على معاهدة صداقة مع الإتحاد السوفيتي في ديسمبر 1978م ، تتيح للإتحاد السوفيتي التدخل عسكرياً في أفغانستان لقتال المجاهدين .

وهنا شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بخطورة من إقتراب السوفيت من بترول الخليج ، فعقدت العزم على طردهم من أفغانستان دون إستخدام الجندي الأمريكي في تطبيق أول لمفهوم الحرب بالوكالة ، وذلك بدعم حركة المجاهدين بالأموال ، ومدهم بالسلاح حتى نجحوا في قتال السوفيت وطردوهم من أفغانستان ، بعد عشر سنوات .

وفجأة وجدت الولايات المتحدة أن عدداً كبيراً من أولئك المجاهدين قد أنضموا لتنظيم القاعدة ، ونفذوا هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 م على برجي التجارة العالمي في نيويورك بقيادة ” أسامة بن لادن ” أحد أهم العناصر الذين دعمتهم أمريكا في حربه ضد السوفيت ، سواء بالسلاح أو الأموال التي وصلت إلى 5 مليارات دولار أمريكي .

هنا تأكد للولايات المتحدة الأمريكية عدم جدوى أسلوب الحرب بالوكالة ، فشرعت في التفكير في أساليب جديدة ، حتى ظهر على السطح مصطلح حروب الجيل الرابع ، القائم على هدم الدولة من الداخل ، دون إستخدام القوة العسكرية المباشرة ، وبعد هدم الدولة يتم فرض الإرادة الخارجية ، وإملاء الشروط عليها ، وهو ما كانت تحققه القوات العسكرية بخسائر أكبر .

ويوجد رأي آخر حول ظهور مفهوم ” حروب الجيل الرابع ” فقد أصبح واضحاً بعد الحرب الأمريكية للعراق وذلك لإن الولايات المتحدة الأمريكية بعدما تكبدت خسائر فادحة مادياً وبشرياً نتيجة إطالة هذة الحرب ، تعلمت أنه من الضروري عدم التدخل في مواجهات مباشرة مع أعدائها بل تكون المواجهات بشكل غير مباشر .

وبالرجوع للتعريفات الدولية ، هي نوع من الحروب التي يكون المشارك فيها ليس دولة ، بل جهة فاعلة غير حكومية ، وتضيف المراجع العلمية العسكرية ، أنها حرب معقدة ، طويلة الأمد ، لا مركزية التخطيط ، تعتمد على الهجوم المباشر على ثقافة الخصم ، وأساسها الحرب النفسية ، من خلال وسائل الإعلام الحديثة ، وشبكة الإنترنت ، بإستخدام كل الضغوط المتاحة , سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً .

يتضح أن حروب الجيل الرابع والتي ظهرت في عام 1989م وتهدف إلى إفشال الدولة وزعزعة إستقرارها وتدمير القطاع المدني فيها وتفتيت مؤسسات الدولة أمنياً وإقتصادياً وتفكيك وحدة شعبها .

تتصف تلك الحروب بغياب التسلسل الهرمي ، وتتخذ من الإرهاب وتكتيكات التخريب وفى بعض الأحيان حرب العصابات واحدة من أهم أدواتها .

وبينما تؤكد معظم المراجع العسكرية أن حروب الجيل الرابع تعتمد بالأساس على خلق تناقضات ما بين الدولة والمجتمع ، بإستغلال كل الوسائل لإحداث الخلل في العلاقة .

أما حروب الجيل الخامس فهي تعتمد في إستراتيجيتها على إحتلال العقول لا الأرض ، وبعد إحتلال العقول سيتكفل المحتل بالباقي ، فهو يستخدم العنف غير المسلح ، مستغلًاً جماعات عقائدية مسلحة ، و عصابات التهريب المنظمة ، والتنظيمات الصغيرة المدربة ، من أجل صنع حروب داخلية ، تتنوع ما بين إقتصادية وسياسية وإجتماعية للدولة المستهدفة ، وذلك لإستنزافها عن طريق مواجهتها لصراعات داخلية ، بالتوازي مع مواجهة التهديدات الخارجية العنيفة .

الخلاصة أن يتم إسقاط الدولة من الداخل ، وليس بقوات عسكرية ، حيث إن ما يتم إنفاقه على هذة النوعية من الحروب الجديدة لا يساوي ثمن عدة طائرات مقاتلة حديثة .

وعادة ما يتم التخطيط لهذة الحرب مسبقاً ، وتدريب العناصر الموكل إليها إشعال الجبهة الداخلية في أماكن خارج الدولة نفسها وعادة ما يستغل في ذلك المنظمات الأهلية تحت شعار مزيد من الديمقراطية للبلد .

وهكذا تتم قيادة الجموع الحاشدة من أفراد الشعب لإسقاط النظام القائم دون إستخدام القوة العسكرية .

تبدو حروب الجيل الرابع والخامس واضحة في المنطقة العربية خاصة بعد ثورات الربيع العربي في أواخر عام 2010م ، حيث قامت إنتفاضات وثورات في عدد من الدول العربية ضد النظم الإستبدادية الحاكمة … فبدأت في تونس ثم أنتشرت إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا ، ونتج عن تلك الثورات الإطاحة بالأنظمة الإستبدادية في بعض الدول مثل تونس ومصر ، وهناك دول تحولت فيها الثورة إلى صراعات مسلحة وحروب أهلية مثل سوريا وليبيا واليمن …

كما أنتشرت التنظيمات والجماعات الإرهابية التي أستغلت حالة عدم الإستقرار والفوضى في المنطقة والتي تعتبر مثال لحروب الجيل الرابع والخامس ، ومن أشهر تلك التنظيمات : تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش ” الذي يعتبر من أخطر التنظيمات الإرهابية الموجودة في المنطقة … ( وهو تنظيم لا يحمل من الإسلام شيئاً ، خاصة أن الإسلام هو دين التسامح واليسر ، ويظهر ذلك جليّاً في عدة مجالات منها : العبادات والمعاملات والأحكام والأوامر والنَّواهي ، وبما أنَّ الإسلامَ دينٌ عالميٌّ يُخاطِبُ كُلَّ الألوانِ والأعراقِ والأديانِ … فقد ذَكَر لنا التَّاريخُ أنَّ الأمّمَ السالِفَة ، لم تَعرِف مثلَ المُسلمينَ ، فاتحينَ راحمينَ مُتسامِحين ، فأخلاق الإسلام جميلةٌ طيّبة ، وأحكامه من أعدل الأحكام وأقومِها ) .

أن الأداة الأهم لتحصين المجتمعات ضد هذة الحروب تقوم على تبني سياسات الحكم الرشيد وإدارة عملية إستباقية تركز على التحسين المادي لجوانب الضعف في النظام الإجتماعي ، ويدعو  إلى الإستغلال الإيجابي لطاقات الشباب وتمكينهم مجتمعياً لمواجهة ظواهر مثل البطالة وعدم المساواة ، لكي تحافظ الدولة على شرعيتها أمام مواطنيها لمواجهة كل أشكال الإختراق …

وذلك لأن أهم مؤشر من مؤشرات التحول الراهن في طبيعة الصراعات ما يسمى بـ ” ضعف الولاء ” للدولة الوطنية .

كما يجب أن تراعي الأنظمة الحاكمة للدولة سبل وأساليب مواجهة حروب الجيل الرابع والخامس التي تتنوع ما بين التدابير الأمنية أو بناء شراكات وتحالفات مضادة ، والأهم بناء إستراتيجيات تقوم على توعية المجتمع بمخاطر الدعاوي الرامية إلى إسقاط الدولة ، وتشمل هذة التدابير الإستثمار المباشر في تكنولوجيا المراقبة والرصد وتوظيف تكنولوجيا المعلومات في التحليل التنبُّئِي … حتى تستطيع أن تهيب بكل الشعوب توخي الحذر من التعامل مع الشائعات بإعتبارها أخباراً ضمن خطة الحرب النفسية والإرهابية التي تحاك ضدها كي لا تقع فريسة حروب الجيل الرابع والخامس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *