الأحد , 15 سبتمبر 2019 - 6:55 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

ثـــورة يوليـــو …

وائل الشهاوي – يكتب

هلت علينا الأيام الماضية ذكرى ثورة ٢٣ يوليو، ٦٧ عاما مرت على الثورة التى مهدت الطريق لجلاء قوات الاحتلال الإنجليزى عن مصر، وحقيقة نحن لا نتذكر موقفا نبيلا واحدا أبدته بريطانيا تجاه مصر، منذ احتلالها لبلادنا عام ١٨٨٢، واستمر حتى توقيع اتفاقية الجلاء فى أكتوبر ١٩٥٤، ومرورا بالعدوان الثلاثى الذى قادته بجانب فرنسا وإسرائيل عام ١٩٥٦، ثم مؤامراتها المستمرة فى السنوات الأخيرة، التى تلت أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١، ثم دعمها الكبير لجماعات وتنظيمات إرهابية، وحركات فوضوية، أولها عندما سارعت لندن وأرسلت تقريرا أمنيا بعد وقوع حادث الطائرة الروسية على سيناء للكرملين، تزعم فيه أن الحادث ناجم عن عمل إرهابى، وهو التقرير الذى سبق تشكيل لجان التحقيق، فى موسكو والقاهرة، واستطاعت أن تحول مسار القضية ٣٦٠ درجة. 
الثانية، تبنى لندن التصعيد فى قضية مقتل الشاب الإيطالى «ريجينى» ومارست نفس سيناريو حادث سقوط الطائرة الروسية، بنفس التفاصيل، فقد سارعت لتوجيه دفة اتهامات القضية نحو وزارة الداخلية المصرية، قبل بدء جهات التحقيق فى البلدين عملها، ثم طالبت المواطنين البريطانيين بجمع ١٠ آلاف توكيل لمنح لندن شرعية التدخل ودعم إيطاليا فى قضية «ريجينى»، وسكب البنزين على النار، وتأجيج الخصومة بين روما والقاهرة، وإيقاف كل وسائل التعاون الاقتصادى والسياسى بين البلدين، إلى أن نجحت مصر فى تجاوز الأزمة.
أما الثالثة، فهو التقرير الذى أذاعته قناة الـ«بى بى سى»، الذى كان يهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة فى الأمن، رغبة فى مزيد من الانفلات الأمنى، وعدم القدرة على مواجهة العمليات الإرهابية، ومن ثم إسقاط البلاد فى مستنقع الجماعات المتطرفة، وتكرار السيناريو السورى والليبى واليمنى.
الحقيقة أن بريطانيا، وعلى مر تاريخها تتخذ من مصر عدوًا، باحتلالها مرة، وبمحاولة الاستيلاء على مقدراتها، وقيادة العدوان الثلاثى لتدمير مدن القناة ثم احتضانها لأكبر تنظيم إرهابى فى التاريخ، وهو جماعة الإخوان الإرهابية، مرات أخرى!!
سردت هذه الوقائع فى عجالة مع استقبالنا لذكرى ثورة ٢٣ يوليو، والتى لا تزال تفرض ظلالها على الحاضر، وتشغل مساحات موسمية من الجدل، وبالرغم من عدم بدهية محاكمة حدث سياسى فى الخمسينيات من القرن العشرين بقواعد القرن الواحد والعشرين، لكننا لا نزال نرى مناقشات وتقييمات بمعايير اليوم، فضلا عن شيوع طريقة النقاش الكروى بانحيازات مسبقة، ثم إن هذا النوع من الجدل موجود منذ السبعينيات، ويبدو الخلاف بين أطرافه حادا ويصدر كل طرف حكما نهائيا «مع أو ضد».
وتظل النقطة الفاصلة فى النقاش الاستقطابى، هو أن بعض منتقدى يوليو يصورون الواقع فى العهد الملكى على أنه كان جنة على الأرض، ويتجاهلون الفوارق والاجتماعية والاقتصادية والانقسام الاجتماعى بين طبقة مترفة، وأخرى معدمة، وفى المقابل يرى قطاع من أنصار الثورة، أن العهد الملكى كان يخلو من أى مميزات. 
بينما الواقع أن مصر لم تكن تخلو من طبقة متوسطة واعية، وأن الفترة من ثورة ١٩١٩ حتى يوليو ١٩٥٢ شهدت تطورا اجتماعيا واقتصاديا، واتسعت رقعة التعليم الإلزامى والمتوسط والجامعى، بشكل أدى إلى تشكيل طبقة وسطى كانت هى الرافد الذى اعتمدت عليه دولة يوليو فى بناء المشروع السياسى والاجتماعى، وحتى الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر كانوا من الطبقة الوسطى الذين دخل أبناؤهم الكلية الحربية بجهود الوفد وما بعد معاهدة ١٩٣٦، كما كان تكوين وعى الضباط الأحرار فى سياق الحركة السياسية الثرية فى الثلاثينيات والأربعينيات، بل إن مبادئ فى الإصلاح الزراعى والعدالة والتصنيع ومجانية التعليم، استمدت من أدبيات ومطالبات الحركات الاجتماعية والسياسيين قبل يوليو. 
لم يخترع جمال عبدالناصر أفكار الاشتراكية والتنمية المستقلة، كان يترجم الأفكار التى صاغتها نخبة سياسية وثقافية وفكرية واقتصادية للاستقلال والتنمية، ويمكن التعرف على صورة مصر من كتابات طه حسين والمازنى ومصطفى مشرفة وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبيرم التونسى، خاصة فى المرحلة بين الحربين الأولى والثانية، وصورة عن حياة الفلاح والريف من كتابات يوسف إدريس فى «الحرام»، وخليل حسن خليل فى «الوسية»، وبالتالى كان قانون الإصلاح الزراعى استجابة لمطالب اجتماعية، ونقلت ملايين الأسر من أعماق الفقر إلى سطح الحياة، وكان عبدالناصر يبنى على جهود كبار السياسيين والمفكرين الاقتصاديين، وعلى رأسهم طلعت حرب «أبو الاقتصاد المصرى»، الذى كان أول من لفت النظر وسعى الى تمصير الاقتصاد والصناعة. 
توسعت دولة يوليو فى بناء المدارس والمستشفيات والمساكن وبناء صناعات متنوعة ودعم القائمة منها، وكانت مجانية التعليم أحد أهم مطالب قطاعات عريضة من الوفد والقوى الاجتماعية، وأخذ طه حسين على عاتقه، عند تولى وزارة المعارف، أن يكون التعليم الإلزامى مجانيا، واستكمل عبدالناصر التوسع فى التعليم ما بعد الإلزامى المتوسط والجامعى، وهو ما يراه البعض بداية تدهور التعليم على أساس التوسع فى الكم وإهمال الكيف، لكن الرصد العادل يشير إلى أن التعليم الفنى الصناعى والزراعى كان يمد الصناعة الناشئة بكوادر فنية على كفاءة، وأن التدهور فى الكوادر بدا مع هجرة العمالة إلى الخارج وإهمال التعليم الفنى مع تحولات الاقتصاد والسياسة بشكل فوضوى، ثم إن تضاعف السكان أكثر من خمس مرات وبقاء المنشآت الصحية والتعليمية كما هى. 
دولة يوليو كانت فى الواقع امتدادا لمساعى ونضال الشعب ونخبته منذ عرابى وحتى الوفد مرورا بمصطفى كامل ومحمد فريد، يوليو حققت نقلات اجتماعية وتعليمية، وحققت تقدما فيما يتعلق بالثقافة والفن، بنت فيه على ما قدمته القوى الناعمة المصرية فيما بين الحربين الأولى والثانية، ولا يمكن تقييم الثورة وآثارها بقواعد ومعايير اليوم وإنما فى زمانها وظروفها، ومع هذا فقد كانت هناك أخطاء فيما يتعلق بالممارسة السياسية، حيث تمت مصادرة السياسة وإلغاء الأحزاب من دون بديل حقيقى، الأمر الذى خلق فراغا يصعب ملئه، وهو ما اعترف به عبدالناصر فى حوارات ما بعد هزيمة يونيو. 
كانت ثورة يوليو حدثا ضخما غير من شكل مصر اجتماعيا واقتصاديا، وامتد تأثيره إقليميا ودوليا، كانت له إنجازات كبيرة وأخطاء كبيرة، ولا يمكن تقييمه بمعزل عن ظروفه الخاصة، ولا يمكن استنساخه أو استعادته، ولا يفترض أن نظل أسرى جدل عقيم بطريقة مشجعى كرة القدم، تخلو من المنطق، نحن أمام حدث لا يزال ساخنا بعد ٦٧ عاما، علينا قراءته من أجل المستقبل وليس الماضى.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *