الخميس , 17 يناير 2019 - 10:34 مساءً
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

الضوابط الضرورية لتجديد الخطاب الديني

بقلم فضيلة الشيخ / عبد الناصر بليح


التجديد ليس هدفاً في ذاته بل هو وسيلة تهدف إلي تلبية حاجات المجتمع الجديدة وملاحقة متغيرات العصر ,والإجابة علي التساؤلات الشرعية والعقيدية الضاغظة للإنسان المعاصر والنظر في قضايا الواقع وتكيفيها طبقاً لمواصفات الشريعة .

ثانياً:” إن دواعي التجديد تتعدد بتعدد الحاجة إليه وعلي ذلك فهو معلول الحاجات العملية ,وليس مجرد حركة نظرية منفصلة عن الواقع.

ثالثاً:” إن التجديد يكشف حقيقة أدعياء التجديد الذين ينتسبون إلي تيارات تخريفية وتوفيقية وتعربية ,والذين يعملون علي مسخ الشريعة بحجة الاجتهاد والتجديد.

رابعاً:” إن التجديد له أهله الجديرون به وهم أهل الاختصاص أو الذكر كما سماهم القرآن الكريم في قوله تعالي:” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ “(النحل/43).
وهذا مايتلاقي فيه الشرع مع العقل, حيث اكتمال الصفات والخصائص اللازمة لعملية التجديد من نحو القدرة علي الاستنباط , ومحاكمة الفكر وتمحيصه , واستيعاب علوم القرآن والحديث , والعربية وعلم الكلام والفقه والأصول.
لذلك يقَولَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”( الْبَيْهَقِيُّ).
والمقصود بهذا الحديث أن علم الكتاب والسنة يحمله من كل قرن يخلف السلف عدوله أي ثقاته يعني من كان عدلاً صاحب التقوى والديانة نافين عنه أي طاردين عن هذا العلم تحريف الغالين أي المبتدعة الذين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد فينحرفون عن جهته.
فالأصل في أهل العلم أن يكونوا عدولاً ثقاة يجمعون بين العلم والعمل كما كان علماؤنا المتقدمون ولكن كثيراً ممن ينتسبون للعلم أغرتهم الدنيا بملذاتها ومتعها وشهواتها المادية والمعنوية فانغمسوا فيها. وواجب العلماء أن يصونوا العلم وأن يبتعدوا عن مواطن الريب ومن ذلك إتيان السلاطين والحكام فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سكن البادية فقد جفا ومن اتبع الصيد فقد غفل ومن أتى أبواب السلاطين فقد افتتن”( أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي وغيرهم ).
و قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:”لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم”(ابن ماجة والبيهقي).
وقال الشاعر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما.

خامساً :” إن التجديد يتطلب مفكراً مجتهداً منفتحاً علي الحياة والواقع ويدرك ضغوطاتهما ومشكلاتهما , ملماً بقضايا العصر وأفكاره وثقافته .
أما المجتهد المنغلق عن الواقع , والجامد علي فهم النص , والبعيد عن ثقافات العصر , ومتطلباته وتحدياته المتجددة والمتسارعة التي تفرضها الثورات المتكاملة في الاتصالات , والمواصلات والتكنولجيا والطب والهندسة الوراثية والبيولوجيا والاقتصاد وحركة المال والسياسة الدولية وغيرها, فضلاً عن التحديات التي تفرضها أساليب ووسائل تطبيق الشريعة بكل مجالاتها..
هذا المجتهد المنغلق هو شخص لايمكنه الخوض في قضايا التحديد لأنه سيعكس صورة سلبية منفرة عن الشريعة السمحاء والدين الحنيف ..أ هــ

سادساً:” إن التجديد مجاله المتغيرات ,أما الثوابت فمن حيث فهم الأصول والقواعد واكتشاف قضايا جديدة ذات مناهج ونظريات ,وكذلك من حيث أسلمة العلوم والمعارف للإنسان بشكل عام.
سابعاً:” إن التجديد لايعني التخلص من القديم أو محاولة هدمه والاستعاضة عنه بشيء أخر مستحدث, فهذا ليس من التجديد في شيء وإنما المراد بالتجديد الاحتفاظ بالقديم وإدخال التحسين عليه, ومحاولة العودة به إلي ماكان عليه يوم نشأ , وتنميته من داخله , وبأساليبه التي أثمرت تلك الثروة الفقهية والفكرية , والتي تعتز بها الأمة الإسلامية كل الاعتزاز دون المساس بخصائصه الأصلية وبطابعه المميز.

ثامناً:” إن التجديد لاينافي الأصالة , فهي لغة تعني الجودة في الرأي والابتكارفي الأسلوب والعراقة في النسب , وليس التجديد إلا جودة في الفهم والاستنباط في تنزيل النص علي الواقع.

تاسعاً:” إن التجديد آية من آيات الأصالة , وعامل من عوامل الحفاظ عليها وإثرائها,فلاغرو أن كان العكوف علي القديم , وترديد مقولة “ماترك الأول للآخر” من أسباب الانحطاط واضمحلال الإصالة.

عاشراً:” إن التجديد لايعني رفض كل شيء جاء عن الغير ,أياً كان ذلك الشيء وذلك الغير, مالم يكن منافياً لأصولنا وجوهر حضارتنا , فالإسلام بطبيعته دين لايعرف الإنغلاق ولايهاب ما لدي الآخرين من فكر وعلم, أو ينظر إليه نظرة عداء وازدراء , وعلي هذا يربي أبنائه تربية استقلالية تنتفع بما لدي غيرها من خير, وتحيله إلي صبغة جديدة فيصبح وكأنه فكرإسلامي خاص.

حادي عشر:” إن التجديد لايتحقق بالخيال والأماني ولابالشو الإعلامي ,وإنما يقوم علي الجهد والعلم الذي يكشف عن جديد متميز في نوعه أو جديد أصيل له قيمته ومنفعته. فإذا سادت روح الجد والعلم في كل مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية في أمة من الأمم , فإنها تخطو بخطي حثيثة نحو التجديد والتطوير والتغيير والانتقال من حال إلي حال أفضل.

ثاني عشر :” إن عماد التجديد وركيزة التقدم هو ذلك الإنسان , فليكن مشربه الإسلام ولايكدر توجهاته الفكرية بالروافد الأجنبية من إغريقية أو فارسية أو هندية ..الخ.
هذه هي حدود تجديد الدين وضوابطه , كما يراها علماء الإسلام باختصار ..وسوف نعرض فيما بعد أهم خصائص التجديد والمجددين , ثم الرؤية المستقبلية لحياة إسلامية راشدة في ظل هذا الفقه..
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

حفظ الله مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *