الإثنين , 27 مايو 2019 - 8:16 صباحًا
رئيس مجلس الإدارة د/ أحمد عبد الصبور
رئيس التحرير التنفيذي محمد يحيى

السادات ومعركة السلام «4»

بقلم / وائل الشهاوي


توقفنا فى الحلقة الماضية عند تعليق وزير الخارجية المصرى إبراهيم كامل على ما دار فى اجتماع الإسكندرية فى يوليو ١٩٧٨ بالقول إن الخلاف الرئيسى بين مصر وأمريكا تركّز على النقاط التى تبلور التفكير الأمريكى، وإنه مندهش مما يطرحه الأمريكيون لأنه نسخة من أفكار بيجين، لأن الالتزام الوحيد على إسرائيل هو الالتزام بالتفاوض أثناء الفترة الانتقالية حول بعض النقاط ومنها الانسحاب.
وهنا نتوقف فى هذا الاجتماع عند حديث الرئيس السادات، الذى اتهمه الفلسطينيون والعرب بالخيانة، بينما كان أصدقهم وأكثرهم دفاعًا عن الأرض حينما تركوه وحيدًا. وهو ما يتضح بقوله للمبعوث الأمريكى: «إن ما يريده الإسرائيليون هو الأرض والأرض فقط.. ولكى نقنع إسرائيل بالتخلى عن أطماعها، عرضنا عليهم الترتيبات الأمنية الستة التى تحدثت بها مع فايتسمان، ذهبت إلى أبعد مدى وعرضت عليه الموافقة على عقد حلف عسكرى بين أمريكا وإسرائيل فى مقابل تخليها عن أطماعها الإقليمية وفى الأرض، لن أجلس مع الإسرائيليين على أى مستوى إلا إذا كان هناك تسليم بأن الأرض التى احتُلت عام ١٩٦٧ لا يمكن أن تكون محلًا لأى تنازل. إن مصر على استعداد لإعطاء إسرائيل أى شىء تحت الشمس ما عدا الأرض والسيادة. بل إننى مستعد لإعطائهم المياه لرى منطقة فى النقب مقابل كل مستوطنة ينسحبون منها فى الضفة الغربية بحيث يكون مسلَّمًا به أن إسرائيل ستبقى فى حدودها ولا تتوسع».
لقد أظهرت الصياغات السابقة التى جاءت فى حديث الرئيس السادات أمام المبعوث الأمريكى أثرتون وسفير الولايات المتحدة لدى القاهرة هيرمان إيلتس أن السادات حدد استراتيجية المرحلة التالية التى تستدعى قيام أمريكا بالإعلان عن إطار عام يحكم عناصر التسوية، ثم التفاوض بعد ذلك بين الأطراف على تنفيذ كل بنود هذا الإطار، لم تنتظر مصر كثيرًا، فقد جاء الرد الأمريكى فى صورة الإعلان عن زيارة يقوم بها سيروس فانس خلال أيام قليلة إلى الشرق الأوسط، وحيث وصل إلى إسرائيل يوم ٥ أغسطس ومصر يوم ٧ أغسطس. واجتمع الوزير محمد إبراهيم كامل مع سيروس فانس ومساعديهما فى إحدى قاعات فندق فلسطين، وفى مساء ٧ أغسطس التقى سيروس فانس على انفراد بالرئيس السادات، وأبلغه بدعوة كارتر لكل من قادة مصر وإسرائيل للاجتماع به فى كامب ديفيد بالولايات المتحدة للبحث فى تسوية الموقف وتحقيق الانفراج فى المفاوضات المتوقفة. المفاوضات الأخيرة فى الخامس من سبتمبر هبطت طائرة الرئيس المصرى السادات فى الولايات المتحدة ثم انتقل ومرافقوه لمنتجع كامب ديفيد، كان يرافقه فى الوفد وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل، وأحمد ماهر، ونبيل العربى، وأسامة الباز وعبدالرؤوف الريدى وأحمد أبوالغيط. ثم عُقد الاجتماع الثلاثى على مستوى القمة مساء يوم الخميس ٧ سبتمبر، وكان لقاء حادًا، فقد رفض فيه مناحم بيجين المقترحات المصرية سواء إنهاء الوجود الإسرائيلى الاستيطانى فى سيناء أو الانسحاب من القواعد الجوية العسكرية بها، وطرح بيجين بعض الأفكار التى يمكن من خلالها تحقيق بقاء المستوطنين على الأرض المصرية.. ورفض السادات بحزم كل هذه الأطروحات، وتكهرب الموقف.
رُفع الاجتماع، وجرى العديد من المشاورات، ثم الصمت لمدة ٦ أيام. ثم قدم الأمريكيون وثيقتهم التى تتضمن مقترحاتهم بشأن التسوية صباح يوم الاثنين ١١ سبتمبر للفريق المصرى، وتضمنت الوثيقة النص الأمريكى لمقترح تحت اسم «إطار للسلام فى الشرق الأوسط ووفق عليه فى كامب ديفيد»، وتضمن المقترح ديباجة قريبة للغاية مما جاء فيما عرضته مصر يوم ٦ سبتمبر مع وضوح إشارات محددة مثل عدم جواز الاستيلاء على أراضى الغير بالقوة وأن السلام يقتضى إقامة علاقات طبيعية بين الأمم بما فيها الاتفاق على ترتيبات للأمن، ثم ينقسم الإطار أو الوثيقة بعد الديباجة المستفيضة إلى قسمين أحدهما خاص بإسرائيل ومصر والآخر بشأن الضفة الغربية وغزة، وكان الملاحظ أن الجزء الخاص بمصر وإسرائيل قد خلا من الكثير من التفاصيل حول الانسحاب والخروج من المستوطنات أو المطارات مع الاعتراف بسيادة مصر الكاملة حتى حدودها الدولية مع فلسطين تحت الانتداب وكذلك إقامة سلام كامل بين البلدين، وفى القسم الخاص بالضفة الغربية وغزة وضح أن الأمريكيين يرغبون أن تتفاوض مصر وإسرائيل حول مستقبل التسوية الفلسطينية فى كل عناصرها وأن الحل المستهدف يجب أن يعترف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين وتمكينهم من المشاركة فى تقرير مستقبلهم. ويستمر المقترح الأمريكى فى تبنى فكرة المرحلة الانتقالية التى مدتها خمسة أعوام وتمكين السكان من الحكم الذاتى الكامل، ووضح أن التركيز ينصب على تحمل مصر لمسئوليات المفاوضات إذا ما غاب الأردن عنها. كان الوفد المصرى يستشعر الأخطار الضاغطة على المفاوض المصرى وخشيته من الفشل وعواقبه إذا ما قامت أمريكا بتحميل مصر مسئولية هذا الفشل، وما للأمر من انعكاسات على مستقبل العلاقة المصرية الأمريكية، على الجانب الآخر كان تمسك وزير الخارجية والفريق المصاحب له بأساسيات الموقف المصرى والعربى يفرض ثقله على الوفد المصرى وكما يقول أحمد أبوالغيط الذى يحكى موقفًا مع جيمى كارتر قائلًا: «كنا نسير -أحمد ماهر وأنا- مع الوزير إبراهيم كامل، يوم ١٣ سبتمبر، وإذا بالرئيس الأمريكى كارتر يظهر وهو يستقل إحدى الدراجات ومرتديًا بنطلون جينز، ووقف ليتحدث مع الوزير إبراهيم كامل وأخذ الرئيس الأمريكى يحاول طمأنة وزير خارجية مصر وأن ما يسعى للقيام به هو التوصل إلى تسوية شاملة تعطى الفلسطينيين حقوقهم على مدى زمنى محكوم. وقال إنه ينوى دعوة الأمير فهد وسعود الفيصل إلى واشنطن فور انتهاء أعمال القمة للحصول على تأييدهما للاتفاق. وأضاف أنه يعلم أن الملك حسين يجلس حاليًا على السور ولا يرغب فى القيام بأى مخاطرة، إلا أنه -أى كارتر- ينوى دعوته هو الآخر للحضور إلى الولايات المتحدة وإقناعه بجدوى ما هو مطلوب من مشاركته فى المفاوضات المقبلة مع إسرائيل حول مستقبل الضفة وغزة.
وقد كان حديث كارتر يعكس قدرًا كبيرًا من الثقة فى قدرته على إقناع هذه الأطراف العربية بقبول الاتفاق ومباركته، وفى هذا السياق أوضح كارتر أنه يرغب فى تجنيب تحميل الرئيس السادات بعبء أى تسوية خاصة بالقدس. من هنا فهو ينوى إخراجها من أى مشروع إطارى سيتم التوصل إليه خلال مفاوضات كامب ديفيد. وأخذ الوزير محمد إبراهيم كامل يجادل كارتر فى أفكاره الأساسية وأن كلًا من الأمير فهد والملك حسين لن يشاركا فى أى جهد إلا إذا وثقا أنه يتم نتيجة لاتفاق عادل يحفظ للفلسطينيين حقوقهم، وأنه أى الوزير المصرى لا يرى أن الاتفاق المقترح يحقق هذا العدل المطلوب للفلسطينيين، وأنه إذا ما رغب كارتر فعلًا فى تحقيق انفراجة عربية- إسرائيلية فعليه أن يعدّل بعض الأفكار الواردة بالاتفاق الإطارى أو أن يعيد تضمين أفكار أسقطها الإسرائيليون.

يتبع..

 

نصر الله مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *